احمد السندى
03-10-2009, 04:34 PM
أجمل القصص
العالم والأعرابي
يحكى أن أحد العلماء كان يجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكتبها ويسجلها، وذات يوم سمع أن أعرابيًا يحفظ حديثًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فسافر إلى هذا الأعرابي؛ حتى يأخذ عنه هذا الحديث.
وعندما وصل العالم إلى دار الأعرابي، وجده يمسك بطرف ملابسه، ويشير إلى فرسه الذي هرب منه، وجري بعيدًا، فلما رأى الفرس ذلك ظن أن الأعرابي يحمل في ملابسه طعامًا، فأسرع عائدًا نحوه ليأكل هذا الطعام.
وما إن وصل الفرس إلى الأعرابي حتى أمسك به، وأدخله بيته. فسأله العالم: هل كان معك طعام؟
قال الأعرابي: لا، إنما كنت أخدعه، ليأتي وأمسك به.
فغضب العالم، وانصرف قبل أن يأخذ منه الحديث.
فنادىى عليه الأعرابي: انتظر حتى تسمع الحديث.
لكن العالم واصل طريقه قائلا للأعرابي: إني لا أصدقك في هذا الحديث، لأنك تكذب على البهائم، وأنا لا آخذ حديثًا من كاذب.
إخلاص ونجاة
كان ثلاثة رجال في سفر. فدخلوا غارًا في جبل ليقضوا الليل. فوقعت صخرة من الجبل فسدت باب الغار، فدعوا ربهم بصالح أعمالهم أن ينجيهم؛ فذكر الأول: أنه كان له أبوان شيخان كبيران، فكان لا يأكل ولا يشرب حتى يطعمهما، وأنه أتاهما يوما فوجدهما نائميْن، فظل واقفًا عندهما والطعام على يديه، حتى قاما وأكلا.
وذكر الثاني أنه كان يحب ابنة عمه، فاحتاجت منه بعض المال، فاشترط لكي يعطيها أن يفعل معها الفاحشة، فذكرته بالله ، فتذكر، وخاف الله خوفا شديدا، وأعطاها المال.
وذكر الثالث أن رجلا كان يعمل عنده، وانصرف دون أن يأخذ أجره، فتاجر له في أجره حتى كثرت الأموال، فلما جاء الرجل الأجير وطلب حقه أعطاه تلك الأموال كلها. وكان كل منهم إذا فرغ من كلامه، يقول: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه" فانفرجت الصخرة، وخرجوا سالمين جزاء إخلاصهم.
إيثار حتى الموت
في معركة اليرموك أصيب الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة بجروح شديدة. وبينما هم راقدون في خيمة الجرحى طلب الحارث ماء ليشرب، فأحضر رجل له الماء وكان الماء قليلا، وقربه من فم الحارث ليشرب، ولكن الحارث لاحظ أن عكرمة ينظر إلى الماء، فعرف أنه يريد أن يشرب، فقال الحارث للرجل: "أعطه له". فلما ذهب الرجل بالماء إلى عكرمة كان إلى جواره عياش، فلما همَّ عكرمة أن يشرب لاحظ أن عياشا ينظر إلى الماء، فقال عكرمة للرجل: "أعطه له"، فلما وصل الرجل إلى عياش وجده قد مات.
فرجع الرجل بالماء مرة أخرى إلى عكرمة، فوجده قد مات، فعاد به إلى الحارث، فوجده قد مات أيضا.
ماتوا جميعا، وكل منهم يؤثر أخاه على نفسه بشربة ماء حتى في اللحظة الأخيرة، لحظة الموت!!.
الجواهر الثمينة
في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– انطلق جيش المسلمين ليفتح المدائن عاصمة الفرس، فنصرهم الله –عز وجل– على الجيش الفارسي.
وبعد المعركة جمع المسلمون الغنائم الثمينة –وأكثرها من ثياب كسرى وجواهره–، وسلموها إلى سعد بن أبي وقاص قائد الجيش. وقسم سعد الغنائم، وبعث بنصيب بيت المال إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وفيه بساط كسرى وتاجه وجواهره، فلما رآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعجب بأمانة الجيش وقائده؛ حيث لم تغرهم هذه الغنائم الثمينة، وقال: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء". وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- موجودًا عنده، فقال له: "إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت" أي أنك لو أخذت أكثر من حقك لفعلوا مثلك.
الرحمة بالدواب
ذات يوم، رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منظرًا عجيبًا.. رأى رجالا جالسين على ظهور دوابهم ورواحلهم، يتحدثون فيما بينهم، ورأى الدواب وقوفًا كأن الرجال اتخذوها كراسي يجلسون عليها، فقال -صلى الله عليه وسلم- لهم: "اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق؛ فرب مركوبة هي خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله –تبارك وتعالى– منه".
هكذا يحثنا الإسلام على الرحمة بالحيوان، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سرتم في الخصب، فأمكنوا الركاب أسنانها" (أي: اتركوها تأكل حتى تقوى على السير).
وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعير قد التصق ظهره ببطنه من شدة الجوع والجهد، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة".
اليمامة والفرخان
رأى الصحابة يومًا يمامة معها فرخان صغيران، فأسرعوا نحو الفرخين وأخذوهما، فأخذت اليمامة ترفرف فوق الصحابة كأنها تستعطفهم كي يعطوها فرخيها. وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورأى اليمامة ترفرف حول الصحابة، وقلبها يكاد ينخلع من الحزن على فراق ولديها الصغيرين، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها". فأطلق الصحابة الفرخين لأمهما، فعادت بهما إلى العش فرحة مسرورة.
وهكذا الرحمة في الإسلام تشمل الكون كله، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لن تؤمنوا حتى تراحموا"، قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: "إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة".
بر الأم
ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما صحابية فاضلة، أسلمت مع أبيها، وبقيت أمها على الشرك.
وذات يوم وأسماء رضي الله عنها في بيتها، جاءتها أمها لتراها، وهي راغبة في برها، وخائفة أن تمتنع أسماء عن صلتها والإحسان إليها.
فوقعت السيدة أسماء في حيرة، فماذا تفعل؟ هل تصل أمها المشركة؟ أم تقاطعها؟
فتوجهت السيدة أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألته: ماذا تفعل مع أمها.
فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصل والدتها وتحسن إليها، فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم صلي أمك".
حب الوطن
ولد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، ونشأ بها، وظل مقيمًا بها حتى أنزل الله عليه الوحي، وأكرمه بالنبوة.
وحينما أمره الله بالجهر بدعوته، وتبليغها للناس آذوه واضطهدوا أصحابه، ولما اشتد عليهم الإيذاء أمرهم الله بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا طاعة لأمر الله ورسوله، وإن كانوا في حزن عميق على فراق البلد الذي أقاموا فيه طيلة حياتهم.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو حزين على فراق مكة، وأعاد النظر إليها مرات ومرات، وهو يود لو عاد إليها وعاش فيها، ولكن الله قد أمره بالهجرة إلى المدينة.
وقف صلى الله عليه وسلم ثم خاطب مكة بكلمات كلها حب وشوق قائلا: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
حب سورة الإخلاص
كان هناك رجل من الأنصار يصلي بالناس إمامًا في مسجد قباء، وكان كلما صلى بهم قرأ سورة "قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ معها سورة أخرى، وظل يداوم على ذلك في كل ركعة. فقال له أصحابه: "إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تكفي لإتمام الصلاة حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تتركها، وتقرأ بأخرى"، فقال: "ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، فتمسكوا به؛ لأنهم كانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره".
فلما أتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟" قال: "إني أحبها"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حبك إياها أدخلك الجنة"
رحمة السلطان
كان المسلمون في حرب مع الصليبيين الذين جاءوا للاعتداء على بلاد الإسلام. وحدث أن خطف رجل طفلاً صغيرًا من خيمة امرأة من الصليبيين، واستأذنت المرأة أن تذهب إلى صلاح الدين، فكلمت الحرس، فسمحوا لها بالدخول، فلما رأته أخذت تبكي، وتمرغ وجهها في التراب، فلمَّا سألها، أخبرته بخطف ولدها الرضيع، فأرسل مَنْ يبحث عن ولدها، فوجده قد بيع في السوق، فدفع ثمنه للمشتري الذي أخذه من الذي خطفه، ثم لم يلبث حتى أعاد الطفل لأمه، فلمَّا أمسكته ضمَّته إلى صدرها، فتأثر صلاح الدين وبكى، فحاولت المرأة أن تشكره، فقال لها: هذه هي أخلاق الإسلام، وإنما نحارب أناسًا يحاربوننا في بلادنا، ولا نحارب الرحمة والإنسانية.
رحمة وإنصاف
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يسير في طريق من طرق المدينة المنورة، فرأى شيخًا قد شاب شعره، وانحنى ظهره، يسير مستندًا على عصاه، يسأل الناس أن يتصدقوا عليه.
لم يكن الشيخ مسلمًا، بل كان من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين تحميهم دولة الإسلام، وترعاهم، وتأخذ من القادرين منهم مبلغًا زهيدًا (الجزية) نظير ما يقدم له من خدمة ورعاية.
ولما علم أمير المؤمنين بأمر الرجل رق له، وشعر بالرحمة والشفقة نحوه، وقال: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية في شبيبتك (شبابك) ثم ضيعناك في كبرك.
وأصدر أوامره بإسقاط الجزية عن الرجل، وأمر أن يُصرف له مبلغ شهري من المال يكفي لقضاء حوائجه، فانصرف الشيخ سعيدًا راضيًا بكرم أمير المؤمنين، ورحمة الإسلام بأهله ورعاياه.
شجاعة وحياء
في غزوة الخندق، والمسلمون محاصرون في المدينة، رأى عمرو بن عبد ود مكانًا ضيقًا في الخندق يمكن عبوره، فعبره، ونادى على المسلمين كي يخرج له أحد يبارزه. فقال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه : يا رسول الله، أنا له فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم سيفه وعمامته، وأذن له.
فخرج إليه علي ودارت بينهما مبارزة شديدة، فضرب علي رأس عمرو بالسيف، فسقط عمرو قتيلا على الأرض، فأخذ علي يكبر، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم تكبير علي علم أن عمرًا قتل، ففرح وفرح المسلمون.
وعاد علي إلى المسلمين متهللا فرحا فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا سلبته أي أخذت درعه؟ فإنه ليس في العرب درع خير منها. فقال علي: حين ضربته استقبلني بسوءته (كشفت عورته) فاستحييت أن أستلبه.
فقد منع الحياء عليا رضي الله عنه أن يأخذ درع عمرو وسيفه؛ حتى لا ينظر إلى عورته المكشوفة.
طعام في الظلام
ذهب مجموعة من الرجال، يزيد عددهم على ثلاثين رجلا، لزيارة صديق لهم، ولم يكن عند الصديق إلا عدد محدود من أرغفة الخبز، لا تكفي لإطعام هذا العدد.
اقترح أحد الأصدقاء أن يقطعوا أرغفة الخبز التي معهم، ويقسموها إلى قطع صغيرة، ثم يأكلوا معا.
واقترح آخر أن يطفئوا المصباح عند الأكل، حتى يأكل كل واحد ما يكفيه، دون أن يشعر بأن أحدًا يشاهده، فيشعر بالحرج.
وبالفعل أحضروا الأرغفة، وقطعوها قطعًا صغيرة، ثم وضعوها أمامه، وأطفئوا الأنوار، وجلسوا ليأكلوا.
وبعد مدة أضاءوا الأنوار فوجدوا مفاجأة عجيبة. وجدوا أن قطع الخبز كما هي لم تنقص.
فلقد آثر كل واحد مهم الآخرين على نفسه، ولم يمد يده نحو الطعام، ولم يأكل، وفضل أن يبيت جائعًا، وترك الفرصة لإخوانه حتى يأكلوا ويشبعوا.
كذب المنجمون
عندما أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) الخروج لقتال الخوارج نصحه أحد المنجمين -وكان اسمه "مسافر بن عوف"- ألا يسير بالجيش في هذا الوقت، وحدد له وقتًا آخر ليتحرك فيه.
فقال له عليّ: "ولِمَ؟". فأخبره أنه إنْ سار في هذا الوقت أصابه وأصحابه ضرر شديد، أما إنْ سار في الموعد الذي حدده له فسوف ينتصر.
فقال عليّ: "ما كان لمحمد (صلى الله عليه وسلم) منجم، ولا لنا من بعده"، ثم قال: "اللهم لا طائر إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك"، ووجه تحذيرًا شديدًا إلى "مسافر" بألا يعمل بالتنجيم.
وسار عليٌّ بالجيش، وقاتل الخوارج في موقعة "النهروان" فهزمهم، وقال: "لو سرنا في الوقت الذي أمرنا به مسافر فانتصرنا، لقال أحدكم: سار في الساعة التي أمر بها المنجم. أيها الناس، توكلوا على الله، وثقوا به؛ فإنه يكفي ما سواه".
مواعيد عرقوب
منذ قديم الزمان، كان هناك رجل يعيش في يثرب اسمه عرقوب، وكان يملك نخلا كثيرًا.
وذات يوم، جاءه أحد الفقراء يطلب صدقة، فقال له عرقوب: لا يوجد تمر الآن، اذهب ثم عد عندما يظهر طلع النخل (البلح الصغير) فجاءه الفقير عندما ظهر الطلع، فقال عرقوب: اذهب ثم تعال عندما يصير الطلع بلحًا.
فلما صار الطلع بلحًا عاد الفقير، فقال له عرقوب: اذهب وائتني عندما يصير البلح رطبًا. فلما صار البلح رطبًا جاء الفقير، فقال له عرقوب: تعال إليّ حينما يصير الرطب تمرًا.
فلما صار الرطب تمرًا، صعد عرقوب النخل ليلا، وقطع التمر وأخفاه، فحضر الفقير في الموعد، ففوجئ بأن النخل قد أخذ ما عليه من تمر، فعلم أن عرقوب خدعه.
فصار عرقوب مثلا في إخلاف الوعد.
أحبك في الله
ذات يوم مر رجل من الصحابة على مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل من الجالسين: إني لأحب هذا الرجل.
فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلم ما إذا كان قد أخبر صاحبه بذلك أم لا، فقال له: "أَعلَمتَهُ؟".
قال الرجل: لا، لم أخبره بعد.
فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا أحب الرجل أخاه، فقد وجب عليه أن يخبره بحبه له، وقال: "أَعلمْهُ".
فقام الرجل من مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسرع حتى لحق بصاحبه، فقال له: إني أحبك في الله.
فقال الرجل: أحبك الله الذي أحببتني له.
فمن السنة أن يقول المسلم لأخيه المسلم: إنه يحبه، وأن يرد عليه أخوه المسلم بأنه يحبه في الله الذي أحبه فيه.
سيد المتواضعين
ألقى الله –تعالى- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المهابة، فكان الرجل إذا رآه لأول مرة هابه، فإذا خالطه بعد ذلك أحبه، واطمأن إليه.
ذات يوم دخل رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما كلّمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ارتعش الرجل، وخاف.
فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: "هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد (أي: اللحم اليابس)". فاطمأن قلب الرجل، وذهب عنه ما نزل به من الخوف والهيبة، بتواضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولين جانبه.
ومواقف التواضع في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، فقد كان يساعد أهله في البيت؛ فيقضي حوائجهم، ويخيط ثيابه، ويصلح حذاءه بنفسه. وكان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجلس على الأرض، ويجيب دعوة الملوك، ويحلب الشاة، وينادي عليه الرجل فيقول له: لبيك.. لبيك.
الشجرة الطيبة
ذات يوم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه، فقال لهم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟".
وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - جالساً، وكان أصغر الجالسين سنًّا، فعرف أنها النخلة، ولكنه وجد أبا بكر - رضي الله عنه - ساكتًا، ووجد أباه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ساكتًا، فاستحيا أن يتكلم.
وأخذ الناس يذكرون أنواعًا من أنواع الشجر، فلم يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا، فقالوا: ما هي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة".
فلما انتهى المجلس، وقام الصحابة، أخبر عبد الله - رضي الله عنه - أباه أنه كان يعرف أنها النخلة، فلما سأله عن سبب سكوته أخبره أنه استحيا أن يتكلم وهم ساكتون، فعاتبه عمر - رضي الله عنه - وقال له: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم (وهي نوع من الإبل العظيمة غالية الثمن).
الثوب والقافلة
ذات يوم خرج أحد التجار الأمناء في سفر له، وترك أحد العاملين عنده ليبيع في متجره، فجاء رجل يهودي واشترى ثوبًا كان به عيب.
فلما حضر صاحب المتجر لم يجد ذلك الثوب، فسأل عنه، فقال له العامل: بعته لرجل يهودي بثلاثة آلاف درهم، ولم يطّلع على عيبه، فغضب التاجر وقال له: وأين ذلك الرجل؟ فقال: لقد سافر.
فأخذ التاجر المسلم المال، وخرج ليلحق بالقافلة التي سافر معها اليهودي، فلحقها بعد ثلاثة أيام، فسأل عن اليهودي، فلما وجده قال له: أيها الرجل! لقد اشتريت من متجري ثوبًا به عيب، فخذ دراهمك، وأعطني الثوب. فتعجَّب اليهودي وسأله: لماذا فعلت هذا؟ قال التاجر: إن ديني يأمرني بالأمانة، وينهاني عن الخيانة، وقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا".
فاندهش اليهودي، وأخبر التاجر بأن الدراهم التي دفعها للعامل كانت مزيفة، وأعطاه بدلاً منها، ثم قال: لقد أسلمت لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
الشكوى
ذهب رجل إلى أحد الحكماء، وشكا إليه فقره. فقال له الحكيم: أيسرك أنك أعمى، ولك عشرة آلاف درهم ؟، فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك أخرس، ولك عشرة آلاف درهم؟، فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين، ولك عشرون ألفًا ؟ فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك مجنون، ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نِعَم بخمسين ألف ؟!
فذهب الرجل وهو يشكر الله - تعالى - على ما أنعم به عليه، وعزم على ألا يشكو فقره بعد ذلك إلا لله وحده.
العالم والأعرابي
يحكى أن أحد العلماء كان يجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكتبها ويسجلها، وذات يوم سمع أن أعرابيًا يحفظ حديثًا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فسافر إلى هذا الأعرابي؛ حتى يأخذ عنه هذا الحديث.
وعندما وصل العالم إلى دار الأعرابي، وجده يمسك بطرف ملابسه، ويشير إلى فرسه الذي هرب منه، وجري بعيدًا، فلما رأى الفرس ذلك ظن أن الأعرابي يحمل في ملابسه طعامًا، فأسرع عائدًا نحوه ليأكل هذا الطعام.
وما إن وصل الفرس إلى الأعرابي حتى أمسك به، وأدخله بيته. فسأله العالم: هل كان معك طعام؟
قال الأعرابي: لا، إنما كنت أخدعه، ليأتي وأمسك به.
فغضب العالم، وانصرف قبل أن يأخذ منه الحديث.
فنادىى عليه الأعرابي: انتظر حتى تسمع الحديث.
لكن العالم واصل طريقه قائلا للأعرابي: إني لا أصدقك في هذا الحديث، لأنك تكذب على البهائم، وأنا لا آخذ حديثًا من كاذب.
إخلاص ونجاة
كان ثلاثة رجال في سفر. فدخلوا غارًا في جبل ليقضوا الليل. فوقعت صخرة من الجبل فسدت باب الغار، فدعوا ربهم بصالح أعمالهم أن ينجيهم؛ فذكر الأول: أنه كان له أبوان شيخان كبيران، فكان لا يأكل ولا يشرب حتى يطعمهما، وأنه أتاهما يوما فوجدهما نائميْن، فظل واقفًا عندهما والطعام على يديه، حتى قاما وأكلا.
وذكر الثاني أنه كان يحب ابنة عمه، فاحتاجت منه بعض المال، فاشترط لكي يعطيها أن يفعل معها الفاحشة، فذكرته بالله ، فتذكر، وخاف الله خوفا شديدا، وأعطاها المال.
وذكر الثالث أن رجلا كان يعمل عنده، وانصرف دون أن يأخذ أجره، فتاجر له في أجره حتى كثرت الأموال، فلما جاء الرجل الأجير وطلب حقه أعطاه تلك الأموال كلها. وكان كل منهم إذا فرغ من كلامه، يقول: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه" فانفرجت الصخرة، وخرجوا سالمين جزاء إخلاصهم.
إيثار حتى الموت
في معركة اليرموك أصيب الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة بجروح شديدة. وبينما هم راقدون في خيمة الجرحى طلب الحارث ماء ليشرب، فأحضر رجل له الماء وكان الماء قليلا، وقربه من فم الحارث ليشرب، ولكن الحارث لاحظ أن عكرمة ينظر إلى الماء، فعرف أنه يريد أن يشرب، فقال الحارث للرجل: "أعطه له". فلما ذهب الرجل بالماء إلى عكرمة كان إلى جواره عياش، فلما همَّ عكرمة أن يشرب لاحظ أن عياشا ينظر إلى الماء، فقال عكرمة للرجل: "أعطه له"، فلما وصل الرجل إلى عياش وجده قد مات.
فرجع الرجل بالماء مرة أخرى إلى عكرمة، فوجده قد مات، فعاد به إلى الحارث، فوجده قد مات أيضا.
ماتوا جميعا، وكل منهم يؤثر أخاه على نفسه بشربة ماء حتى في اللحظة الأخيرة، لحظة الموت!!.
الجواهر الثمينة
في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– انطلق جيش المسلمين ليفتح المدائن عاصمة الفرس، فنصرهم الله –عز وجل– على الجيش الفارسي.
وبعد المعركة جمع المسلمون الغنائم الثمينة –وأكثرها من ثياب كسرى وجواهره–، وسلموها إلى سعد بن أبي وقاص قائد الجيش. وقسم سعد الغنائم، وبعث بنصيب بيت المال إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وفيه بساط كسرى وتاجه وجواهره، فلما رآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعجب بأمانة الجيش وقائده؛ حيث لم تغرهم هذه الغنائم الثمينة، وقال: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء". وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- موجودًا عنده، فقال له: "إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت" أي أنك لو أخذت أكثر من حقك لفعلوا مثلك.
الرحمة بالدواب
ذات يوم، رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منظرًا عجيبًا.. رأى رجالا جالسين على ظهور دوابهم ورواحلهم، يتحدثون فيما بينهم، ورأى الدواب وقوفًا كأن الرجال اتخذوها كراسي يجلسون عليها، فقال -صلى الله عليه وسلم- لهم: "اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق؛ فرب مركوبة هي خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله –تبارك وتعالى– منه".
هكذا يحثنا الإسلام على الرحمة بالحيوان، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سرتم في الخصب، فأمكنوا الركاب أسنانها" (أي: اتركوها تأكل حتى تقوى على السير).
وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعير قد التصق ظهره ببطنه من شدة الجوع والجهد، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة".
اليمامة والفرخان
رأى الصحابة يومًا يمامة معها فرخان صغيران، فأسرعوا نحو الفرخين وأخذوهما، فأخذت اليمامة ترفرف فوق الصحابة كأنها تستعطفهم كي يعطوها فرخيها. وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورأى اليمامة ترفرف حول الصحابة، وقلبها يكاد ينخلع من الحزن على فراق ولديها الصغيرين، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها". فأطلق الصحابة الفرخين لأمهما، فعادت بهما إلى العش فرحة مسرورة.
وهكذا الرحمة في الإسلام تشمل الكون كله، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لن تؤمنوا حتى تراحموا"، قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: "إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة".
بر الأم
ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما صحابية فاضلة، أسلمت مع أبيها، وبقيت أمها على الشرك.
وذات يوم وأسماء رضي الله عنها في بيتها، جاءتها أمها لتراها، وهي راغبة في برها، وخائفة أن تمتنع أسماء عن صلتها والإحسان إليها.
فوقعت السيدة أسماء في حيرة، فماذا تفعل؟ هل تصل أمها المشركة؟ أم تقاطعها؟
فتوجهت السيدة أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألته: ماذا تفعل مع أمها.
فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصل والدتها وتحسن إليها، فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم صلي أمك".
حب الوطن
ولد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، ونشأ بها، وظل مقيمًا بها حتى أنزل الله عليه الوحي، وأكرمه بالنبوة.
وحينما أمره الله بالجهر بدعوته، وتبليغها للناس آذوه واضطهدوا أصحابه، ولما اشتد عليهم الإيذاء أمرهم الله بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا طاعة لأمر الله ورسوله، وإن كانوا في حزن عميق على فراق البلد الذي أقاموا فيه طيلة حياتهم.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو حزين على فراق مكة، وأعاد النظر إليها مرات ومرات، وهو يود لو عاد إليها وعاش فيها، ولكن الله قد أمره بالهجرة إلى المدينة.
وقف صلى الله عليه وسلم ثم خاطب مكة بكلمات كلها حب وشوق قائلا: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
حب سورة الإخلاص
كان هناك رجل من الأنصار يصلي بالناس إمامًا في مسجد قباء، وكان كلما صلى بهم قرأ سورة "قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ معها سورة أخرى، وظل يداوم على ذلك في كل ركعة. فقال له أصحابه: "إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تكفي لإتمام الصلاة حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تتركها، وتقرأ بأخرى"، فقال: "ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، فتمسكوا به؛ لأنهم كانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره".
فلما أتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟" قال: "إني أحبها"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حبك إياها أدخلك الجنة"
رحمة السلطان
كان المسلمون في حرب مع الصليبيين الذين جاءوا للاعتداء على بلاد الإسلام. وحدث أن خطف رجل طفلاً صغيرًا من خيمة امرأة من الصليبيين، واستأذنت المرأة أن تذهب إلى صلاح الدين، فكلمت الحرس، فسمحوا لها بالدخول، فلما رأته أخذت تبكي، وتمرغ وجهها في التراب، فلمَّا سألها، أخبرته بخطف ولدها الرضيع، فأرسل مَنْ يبحث عن ولدها، فوجده قد بيع في السوق، فدفع ثمنه للمشتري الذي أخذه من الذي خطفه، ثم لم يلبث حتى أعاد الطفل لأمه، فلمَّا أمسكته ضمَّته إلى صدرها، فتأثر صلاح الدين وبكى، فحاولت المرأة أن تشكره، فقال لها: هذه هي أخلاق الإسلام، وإنما نحارب أناسًا يحاربوننا في بلادنا، ولا نحارب الرحمة والإنسانية.
رحمة وإنصاف
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يسير في طريق من طرق المدينة المنورة، فرأى شيخًا قد شاب شعره، وانحنى ظهره، يسير مستندًا على عصاه، يسأل الناس أن يتصدقوا عليه.
لم يكن الشيخ مسلمًا، بل كان من أهل الذمة المقيمين في بلاد المسلمين تحميهم دولة الإسلام، وترعاهم، وتأخذ من القادرين منهم مبلغًا زهيدًا (الجزية) نظير ما يقدم له من خدمة ورعاية.
ولما علم أمير المؤمنين بأمر الرجل رق له، وشعر بالرحمة والشفقة نحوه، وقال: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية في شبيبتك (شبابك) ثم ضيعناك في كبرك.
وأصدر أوامره بإسقاط الجزية عن الرجل، وأمر أن يُصرف له مبلغ شهري من المال يكفي لقضاء حوائجه، فانصرف الشيخ سعيدًا راضيًا بكرم أمير المؤمنين، ورحمة الإسلام بأهله ورعاياه.
شجاعة وحياء
في غزوة الخندق، والمسلمون محاصرون في المدينة، رأى عمرو بن عبد ود مكانًا ضيقًا في الخندق يمكن عبوره، فعبره، ونادى على المسلمين كي يخرج له أحد يبارزه. فقال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه : يا رسول الله، أنا له فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم سيفه وعمامته، وأذن له.
فخرج إليه علي ودارت بينهما مبارزة شديدة، فضرب علي رأس عمرو بالسيف، فسقط عمرو قتيلا على الأرض، فأخذ علي يكبر، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم تكبير علي علم أن عمرًا قتل، ففرح وفرح المسلمون.
وعاد علي إلى المسلمين متهللا فرحا فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هلا سلبته أي أخذت درعه؟ فإنه ليس في العرب درع خير منها. فقال علي: حين ضربته استقبلني بسوءته (كشفت عورته) فاستحييت أن أستلبه.
فقد منع الحياء عليا رضي الله عنه أن يأخذ درع عمرو وسيفه؛ حتى لا ينظر إلى عورته المكشوفة.
طعام في الظلام
ذهب مجموعة من الرجال، يزيد عددهم على ثلاثين رجلا، لزيارة صديق لهم، ولم يكن عند الصديق إلا عدد محدود من أرغفة الخبز، لا تكفي لإطعام هذا العدد.
اقترح أحد الأصدقاء أن يقطعوا أرغفة الخبز التي معهم، ويقسموها إلى قطع صغيرة، ثم يأكلوا معا.
واقترح آخر أن يطفئوا المصباح عند الأكل، حتى يأكل كل واحد ما يكفيه، دون أن يشعر بأن أحدًا يشاهده، فيشعر بالحرج.
وبالفعل أحضروا الأرغفة، وقطعوها قطعًا صغيرة، ثم وضعوها أمامه، وأطفئوا الأنوار، وجلسوا ليأكلوا.
وبعد مدة أضاءوا الأنوار فوجدوا مفاجأة عجيبة. وجدوا أن قطع الخبز كما هي لم تنقص.
فلقد آثر كل واحد مهم الآخرين على نفسه، ولم يمد يده نحو الطعام، ولم يأكل، وفضل أن يبيت جائعًا، وترك الفرصة لإخوانه حتى يأكلوا ويشبعوا.
كذب المنجمون
عندما أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) الخروج لقتال الخوارج نصحه أحد المنجمين -وكان اسمه "مسافر بن عوف"- ألا يسير بالجيش في هذا الوقت، وحدد له وقتًا آخر ليتحرك فيه.
فقال له عليّ: "ولِمَ؟". فأخبره أنه إنْ سار في هذا الوقت أصابه وأصحابه ضرر شديد، أما إنْ سار في الموعد الذي حدده له فسوف ينتصر.
فقال عليّ: "ما كان لمحمد (صلى الله عليه وسلم) منجم، ولا لنا من بعده"، ثم قال: "اللهم لا طائر إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك"، ووجه تحذيرًا شديدًا إلى "مسافر" بألا يعمل بالتنجيم.
وسار عليٌّ بالجيش، وقاتل الخوارج في موقعة "النهروان" فهزمهم، وقال: "لو سرنا في الوقت الذي أمرنا به مسافر فانتصرنا، لقال أحدكم: سار في الساعة التي أمر بها المنجم. أيها الناس، توكلوا على الله، وثقوا به؛ فإنه يكفي ما سواه".
مواعيد عرقوب
منذ قديم الزمان، كان هناك رجل يعيش في يثرب اسمه عرقوب، وكان يملك نخلا كثيرًا.
وذات يوم، جاءه أحد الفقراء يطلب صدقة، فقال له عرقوب: لا يوجد تمر الآن، اذهب ثم عد عندما يظهر طلع النخل (البلح الصغير) فجاءه الفقير عندما ظهر الطلع، فقال عرقوب: اذهب ثم تعال عندما يصير الطلع بلحًا.
فلما صار الطلع بلحًا عاد الفقير، فقال له عرقوب: اذهب وائتني عندما يصير البلح رطبًا. فلما صار البلح رطبًا جاء الفقير، فقال له عرقوب: تعال إليّ حينما يصير الرطب تمرًا.
فلما صار الرطب تمرًا، صعد عرقوب النخل ليلا، وقطع التمر وأخفاه، فحضر الفقير في الموعد، ففوجئ بأن النخل قد أخذ ما عليه من تمر، فعلم أن عرقوب خدعه.
فصار عرقوب مثلا في إخلاف الوعد.
أحبك في الله
ذات يوم مر رجل من الصحابة على مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل من الجالسين: إني لأحب هذا الرجل.
فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعلم ما إذا كان قد أخبر صاحبه بذلك أم لا، فقال له: "أَعلَمتَهُ؟".
قال الرجل: لا، لم أخبره بعد.
فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا أحب الرجل أخاه، فقد وجب عليه أن يخبره بحبه له، وقال: "أَعلمْهُ".
فقام الرجل من مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسرع حتى لحق بصاحبه، فقال له: إني أحبك في الله.
فقال الرجل: أحبك الله الذي أحببتني له.
فمن السنة أن يقول المسلم لأخيه المسلم: إنه يحبه، وأن يرد عليه أخوه المسلم بأنه يحبه في الله الذي أحبه فيه.
سيد المتواضعين
ألقى الله –تعالى- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المهابة، فكان الرجل إذا رآه لأول مرة هابه، فإذا خالطه بعد ذلك أحبه، واطمأن إليه.
ذات يوم دخل رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما كلّمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ارتعش الرجل، وخاف.
فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: "هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد (أي: اللحم اليابس)". فاطمأن قلب الرجل، وذهب عنه ما نزل به من الخوف والهيبة، بتواضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولين جانبه.
ومواقف التواضع في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، فقد كان يساعد أهله في البيت؛ فيقضي حوائجهم، ويخيط ثيابه، ويصلح حذاءه بنفسه. وكان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجلس على الأرض، ويجيب دعوة الملوك، ويحلب الشاة، وينادي عليه الرجل فيقول له: لبيك.. لبيك.
الشجرة الطيبة
ذات يوم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه، فقال لهم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟".
وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - جالساً، وكان أصغر الجالسين سنًّا، فعرف أنها النخلة، ولكنه وجد أبا بكر - رضي الله عنه - ساكتًا، ووجد أباه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ساكتًا، فاستحيا أن يتكلم.
وأخذ الناس يذكرون أنواعًا من أنواع الشجر، فلم يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا، فقالوا: ما هي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة".
فلما انتهى المجلس، وقام الصحابة، أخبر عبد الله - رضي الله عنه - أباه أنه كان يعرف أنها النخلة، فلما سأله عن سبب سكوته أخبره أنه استحيا أن يتكلم وهم ساكتون، فعاتبه عمر - رضي الله عنه - وقال له: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم (وهي نوع من الإبل العظيمة غالية الثمن).
الثوب والقافلة
ذات يوم خرج أحد التجار الأمناء في سفر له، وترك أحد العاملين عنده ليبيع في متجره، فجاء رجل يهودي واشترى ثوبًا كان به عيب.
فلما حضر صاحب المتجر لم يجد ذلك الثوب، فسأل عنه، فقال له العامل: بعته لرجل يهودي بثلاثة آلاف درهم، ولم يطّلع على عيبه، فغضب التاجر وقال له: وأين ذلك الرجل؟ فقال: لقد سافر.
فأخذ التاجر المسلم المال، وخرج ليلحق بالقافلة التي سافر معها اليهودي، فلحقها بعد ثلاثة أيام، فسأل عن اليهودي، فلما وجده قال له: أيها الرجل! لقد اشتريت من متجري ثوبًا به عيب، فخذ دراهمك، وأعطني الثوب. فتعجَّب اليهودي وسأله: لماذا فعلت هذا؟ قال التاجر: إن ديني يأمرني بالأمانة، وينهاني عن الخيانة، وقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا".
فاندهش اليهودي، وأخبر التاجر بأن الدراهم التي دفعها للعامل كانت مزيفة، وأعطاه بدلاً منها، ثم قال: لقد أسلمت لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
الشكوى
ذهب رجل إلى أحد الحكماء، وشكا إليه فقره. فقال له الحكيم: أيسرك أنك أعمى، ولك عشرة آلاف درهم ؟، فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك أخرس، ولك عشرة آلاف درهم؟، فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين، ولك عشرون ألفًا ؟ فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أيسرك أنك مجنون، ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال الرجل: لا.
فقال الحكيم: أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نِعَم بخمسين ألف ؟!
فذهب الرجل وهو يشكر الله - تعالى - على ما أنعم به عليه، وعزم على ألا يشكو فقره بعد ذلك إلا لله وحده.