المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشاهد فى الجود والسخاء


احمد السندى
07-22-2009, 05:37 AM
مشاهد فى الجود والسخاء


الايثار

فمن الإيثار ما حكى عن حذيفة العدوى أنه قال انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلي ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته فإذا أنا به بين القتلي فقلت له أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا برجل يقول آه فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه واسقه فاذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فأشار إلي أن نعم فسمع آخر يقول آه فأشار إلي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات .

ومن عجائب ما ذكر في الايثار

ما حكاه أبو محمد الأزدي قال لما احترق المسجد بمرو ظن المسلمون
أن النصارى أحرقوه فأحرقوا خاناتهم فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخانات وكتب رقاعا فيها القطع والجلد والقتل ونثرها عليهم فمن وقع عليه رقعة فعل به ما فيها فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل فقال والله ما كنت أبالي لولا أم لي وكان بجنبه بعض الفتيان فقال له في رقعتي الجلد وليس لي ام فخذ أنت رقعتى وأعطني رقعتك ففعل فقتل ذلك الفتي وتخلص هذا الرجل
وقيل لقيس بن سعد هل رأيت قط أسخي منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فجاء زوجها فقالت له إنه نزل بنا ضيفان فجاءنا بناقة فنحرها وقال شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها وقال شأنكم فقلنا ما أكلنا من التى نحرت البارحة إلا القليل فقال إني لا أطعم ضيفاني البائت فبقينا عنده أياما والسماء تمطر وهو كل يوم يفعل كذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة أعتذري لنا إليه ومضينا فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام أعطيتمونا ثمن قرانا ثم أنه لحقنا وقال خذوها وإلا طعنتكم برمحى هذا فأخذناها وانصرفنا

السخاء

وذكر الإمام أبو علي القالي في كتاب الأمالي أن رجلا جاء إلى معاوية رضي الله تعالى عنه فقال له سألتك بالرحم التى بيني وبينك إلى ما قضيت حاجتي فقال له معاوية أمن قريش أنت قال لا قال فأي رحم بيني وبينك قال رحم آدم عليه السلام قال رحم مجفوة والله لأكونن أول من وصلها ثم قضي حاجته .

وقدم رجل من قريش من سفر فمر على رجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضر به المرض فقال له يا هذا أعنا على الدهر فقال لغلامه ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه فصب في حجره أربعة آلاف درهم فهم ليقوم فلم يقدر من الضعف فبكي فقال له الرجل ما يبكيك لعلك استقللت ما دفعناه اليك فقال لا والله ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني

ويروى أن عبد الله بن أبي بكر وكان من أجود الأجواد عطش يوما في طريقه فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت له كوزا وقامت خلف الباب وقالت تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم فإنني امرأة عزب مات زوجي منذ أيام فشرب عبد الله الماء وقال يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم فقالت سبحان الله أتسخر مني فقال يا غلام أحمل اليها عشرين ألفا فقالت أسأل الله العافية فقال يا غلام أحمل إليها ثلاثين فما أمست حتى كثر خطابها وكان رضي الله عنه ينفق على اربعين دارا من جيرانه عن يمينه وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين خلفه ويبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد ويعتق في كل عيد مائة مملوك رضي الله تعالى عنه

ولما مرض قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم فقيل له إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع عني الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا ينادى من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد .

وسمن رجل بهيمة ثم خرج بها ليبيعها فمر بعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه فقال يا صاحب البهيمة أتبيعها قال لا ولكنها هي لك هبة ثم تركها له وانصرف إلي بيته فلم يلبث إلا يسيرا وإذا بالحمالين على بابه عشرين نفرا عشرة منهم يحملون حنطة وخمسة لحما وكسوة وأربعة يحملون فاكهة ونقلا وواحد يحمل مالا فأعطاه جميع ذلك واعتذر إليه رضي الله تعالى عنه

وخرج رضي الله تعالى عنه هو والحسن والحسين وأبو دحية الأنصارى رضي الله تعالى عنهم من مكة الى المدينة فأصابتهم السماء بمطر فلجئوا إلى خباء أعرابي فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى سكنت السماء فذبح لهم الأعرابي شاة فلما ارتحلوا قال عبد الله للاعرابي إن قدمت المدينة فسل عنا فاحتاج الاعرابي بعد سنين فقالت له امرأته لو اتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان فقال قد نسيت أسماءهم فقالت سل عن ابن الطيار فأتي المدينة فلقي سيدنا الحسن رضي الله تعالى عنه فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعاتها ثم أتي الحسين رضي الله تعالى عنه فقال كفانا أبو محمد مؤونة الإبل فأمر له بألف شاة ثم أتي عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه فقال كفانى أخواني الابل والشياه فأمر له بمائة ألف درهم ثم أتى أبا دحية رضي الله تعالى عنه فقال والله ما عندى مثل ما أعطوك ولكن ائتني بابلك فأوقرها لك تمرا فلم يزل اليسار في عقب الاعرابي من ذلك اليوم .

وقال الحسن والحسين يوما لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم إنك قد أسرفت في بذل المال فقال بأبي أنتما إن الله عز وجل عودني أن يتفضل علي وعودته أن أتفضل على عبادة فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عنى المادة وامتدحه نصيب فأمر له بخيل وأثاث ودنانير ودراهم فقال له رجل مثل هذا الأسود تعطي له هذا المال فقال إن كان أسود فان ثناه أبيض ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفني وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقي .

وخرج عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم يوما إلى ضيعة له فنزل على حائط به نخيل لقوم وفيه غلام أسود يقوم عليه فأتي بقوته ثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا من الغلام فرمى أليه بقرص فأكله ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت هذا الكلب بقوت يومك كله قال ارضنا ما هي بأرض كلاب وأنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أرده قال فما أنت صانع اليوم قال أطوى يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء وإن هذا لأسخي مني فاشترى الحائط وما فيه من النخيل والآلات واشترى الغلام ثم أعتقه ووهبه الحائط بما فيه من النخيل والالات فقال الغلام إن كان ذلك لي فهو في سبيل الله تعالى فاستعظم عبد الله ذلك منه فقال يجود هذا وأبخل أنا لا كان ذلك أبدا .

وكان عبيد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما من الأجواد أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه قال يا ابن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها فصعد فيه بصرة فلم يعرفه فقال ما يدك قال رأيتك واقفا بفناء زمزم وغلامك يمتح لك من مائها والشمس قد صهرتك فظللتك بفضل كسائي حتى شربت فقال أجل إني لأذكر ذلك ثم قال لغلامه ما عندك قال مائتا دينار وعشرة آلاف درهم فقال إدفعها إليه وما أراها تفي بحق يده .

وجاء رجل من الأنصار إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له يا ابن عم محمد إنه ولد في هذه الليلة مولود وإني سميته باسمك تبركا بك وإن أمه ماتت فقال له بارك الله لك في الهبة وآجرك عن المصيبة ثم دعا بوكيلة وقال له انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه وادفع لأبيه مائتي دينار لينفقها على تربيته ثم قال للأنصارى عد إلينا بعد أيام فانك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلة فقال الأنصارى جعلت فداءك لو سبقت حاتما بيوم واحد ما ذكرته العرب .

وكان معن بن زائدة من الأجواد وكان عاملا على العراق بالبصرة قيل إنه أتى إليه احد الشعراء فأقام ببابه مدة يريد الدخول عليه فلم يتهيأ له ذلك فقال يوما لبعض الخدم إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل أعلمه بذلك فكتب الشاعر بيتا ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن جالسا على القناة فلما رأى الخشبة أخذها وقرأها فاذا فيها بيت مفرد

أيا جود معن ناج معنا بحاجتي** فليس إلى معن سواك شفيع

فقال من الرجل صاحب هذه فاتي به إليه فقال كيف قلت فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر (البدره : صرة نقود) فأخذها وانصرف ووضع معن الخشبة تحت بساطه فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط ونظر فيها وقال علي بالرجل صاحب هذه فاتى به فقال له كيف قلت فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر فأخذها وانصرف ووضع معن الخشبة تحت بساطه فلما كان في اليوم الثالث أخرجها ونظر فيها وقال علي بالرجل صاحب هذه فاتى به إليه فقال له كيف قلت فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر فأخذها وتفكر في نفسه وخاف ان يأخذ منه ما أعطاه فخرج من البلد بما معه فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل فلم يجده فقال معن لقد ساء والله ظنه ولقد هممت أن أعطيه حتى لا يبقي في بيت مالى درهم ولا دينار .

وحدث أبو اليقظان عن أبيه قال حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقا يحلق رأسه فجاءه بحلاق فحلق رأسه فأمر له بخمسة آلاف درهم فتحير الحلاق ودهش وقال آخذ هذه الخمسة الآلاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها إني قد استغنيت فقال أعطوه خمسة آلاف أخرى فقال امرأتى طالق إن حلقت رأس أحد بعدك .

وقيل إن الحجاج حبس يزيد بن المهلب على خراج وجب عليه مقداره مائة ألف درهم فجمعت له وهو في السجن فجاءه الفرزدق يزوره فقال للحاجب أستأذن لي عليه فقال إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه فقال الفرزدق إنما أتيت متوجعا لما فيه ولم آت ممتدحا فأذن له فلما أبصره قال :

أبا خالد ضاقت خراسان بعدكم ** وقال ذوو الحاجات أين يزيد
فما قطرت بالشرق بعدك قطرة ** ولا أخضر بالمروين بعدك عود
وما لسرور بعد عزك بهجة ** وما لجواد بعد جودك جود

فقال يزيد للحاجب إدفع إليه المائة ألف درهم التى جمعت لنا ودع الحجاج ولحمي يفعل فيه ما يشاء فقال الحاجب للفرزدق هذا الذي خفت منه لما منعتك من دخولك عليه ثم دفعها إليه فأخذها وانصرف .

ومر يزيد بن المهلب بعجوز أعرابية فذبحت له عنزا فقال لابنه ما معك من النفقة قال مائة دينار قال ادفعها إليها فقال هذه يرضيها اليسير وهى لا تعرفك قال إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضي إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي .


وجاء أعرابي لعلى بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة والحياء يمنعني أن أذكرها فقال خطها في الأرض فكتب إني فقير فقال يا قنبر (خادم على) اكسه حلتى فقال الأعرابي :

كسوتنى حلة تبلى محاسنها ** فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن نلت حسن الثنا قد نلت مكرمة ** وليس تبغي بما قدمته بدلا
إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه ** كالغيث يحيى نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به ** كل أمرىء سوف يجزي بالذي فعلا

فقال يا قنبر زده مائه دينار فقال يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال رضي الله تعالى عنه صه يا قنبر فاني سمعت رسول الله يقول اشكروا لمن أثني عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فاكرموه .

وقال بعضهم :

ابيت خميص البطن عريان طاويا ** وأوثر بالزاد الرفيق على نفسي
وامنحة فرشي وأفرش الثرى ** وأجعل ستر الليل من دونه لبسي
حذار أحاديث المحافل في غد ** إذا ضمني يوما إلى صدره رمسي

وقال العتبي أشرف عمرو بن هبيرة يوما من قصره فإذا هو باعرابي يرقل قلوصة فقال عمرو لحاجبه إن أرادني هذا الاعرابي فأوصله إلي فلما وصل الأعرابي سأله الحاجب فقال أردت الأمير فدخل به إليه فلما مثل بين يديه قال له ما حاجتك فأنشد الأعرابي يقول :

أصلحك الله قل ما بيدي ** ولا اطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهري علي كلكلة ** فأرسلوني إليك وانتظروا

فأخذت عمرو الاريحية فجعل يهتز في مجلسه ثم قال أرسلوك إلي وانتظروا إذن والله لا تجلس حتى ترجع إليهم ثم أمر له بألف دينار .

وقيل أراد ابن عامر أن يكتب لرجل بخمسين ألف درهم فجرى القلم بخمسمائة ألف فراجعه الخازن في ذلك فقال انفذه فما بقي إلا نفاذه وإن خروج المال أحب إلي من الاعتذار فاستشرفه الخازن فقال إذا أراد الله بعبد خيرا صرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته وأنا أردت شيئا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه فكانت أرادة الله الغالبة وأمره النافذ ووقف أعرابي على ابن عامر فقال يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب وابن بطحاء مكة برحت بي الحاجة وأكدت بي الآمال إلا بفنائك فامنحنى بقدر الطاقة لا بقدر المجد والشرف والهمة فأمر له بمائتى ألف درهم .

وعن الأخفش الصغير قال كان أسيد بن عنقاء الفزارى من اكبر أهل زمانه قدرا وأكثرهم أدبا وأفصحهم لسانا وأثبتهم جنانا فطال عمره ونكبه دهره فخرج عشية ينتفل لأهله فمر به عميله الفزارى فسلم عليه وقال
ماصار بك يا عم فقال بخل مثلك بماله وصون وجهي عن مسألة الناس فقال والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك فرجع بن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة فقالت له لقد غرك كلام غلام في جنح الليل قال فكأنما ألقمت فاه حجرا وبات متململا بين رجاء ويأس فلما كان وقت السحر سمع رغاء الابل وصهيل الخيل تحت الأموال فقال ما هذا قالوا عميلة قد قسم ماله شطرين وبعث إليك بشطره فأنشأ يقول :

رآني على ما بي عميله فاشتكى ** إلى ماله حالي فواسي وما هجر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ** تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام حباه الله بالحسن يافعا ** له سيماء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت في جبينه ** وفي أنفه الشعري وفي جيده القمر

وكان أحمد بن طولون كثير الصدقه وكان راتبه منها في الشهر ألف دينار سوى ما يطرأ عليه من نذر أو صله وسوى ما يطبخ في دار الصدقة وكان الموكل بصدقته سليم الخادم فقال له سليم يوما أيها الأمير إني أطوف القبائل وأدق الأبواب لصدقاتك وإن اليد تمد إلي وفيها الحناء وربما كان فيها الخاتم الذهب والسوار الذهب أفأعطى أم أرد قال فأطرق طويلا ثم قال كل يد امتدت إليك فلا تردها .

وتعشي الناس ليلة عند سعيد بن العاص فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا فقال له سعيد ألك حاجة وأطفأ الشمعة كراهة أن يخجل الفتى فذكر أن أباه مات وخلف دينا وعيالا وسأله أن يكتب له كتابا إلى أهل دمشق ليقوموا ببعض إصلاح حاله فدفع له عشرة آلاف دينار وقال له لا أدعك تقاسي الذل على أبوابهم .

ودخل رجل على علي بن سليمان الوزير فقال له سألتك بالله العظيم ونبيه الكريم إلا ما أجرتني من خصمي فقال ومن خصمك حتى أجيرك منه فقال الفقر فأطرق الوزير ساعة وقال قد أمرت لك بمائة ألف درهم فأخذها وانصرف فبينما هو في الطريق إذ أمر الوزير برده إليه فلما رجع قال له سألتك بالله العظيم ونبيه الكريم متى أتاك خصمك معنفا فارجع إلينا متظلما .

وحكى أبو قدامة القشيري قال كنا مع يزيد بن مزيد يوما فسمع صائحا يقول يا يزيد ابن مزيد فطلبه فاتى به إليه فقال ما حملك على هذا الصياح قال فقدت دابتي ونفدت نفقتى وسمعت قول الشاعر :

إذا قيل من للجود والمجد والندى ** فنادى بصوت يا يزيد بن مزيد

فأمر له بفرس أبلق كان معجبا به وبمائة دينار وخلعة سنية فأخذها وانصرف .

وحكى أن قوما من العرب جاؤا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له هل لك أن تبيعني بعيرك بناقه نجيبه وكان للرائى بعير سمين فقال نعم وباعه في النوم بعيره بالنجيبه فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر الى البعير فنحره في النوم فانتبه الرائي من نومه فوجد الدم يسيح من نحر بعيره فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوا ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق سائرون استقبلهم ركب فتقدم منهم شاب فنادى هل فيكم فلان ابن فلان فقال صاحب البعير نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال هل بعت من فلان (الميت) شيئا قال نعم بعته بعيري بنجيبه في النوم فقال هذه النجيبه فخذها وأنا ابن الميت وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ولدي فادفع نجيبتي إلى فلان .

وروى عن الهيثم بن عدي أنه قال تمارى ثلاثة نفر في الأجواد فقال رجل أسخي الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر فقال الاخر أسخي الناس قيس بن سعيد بن عبادة فقال الآخر بل أسخي الناس اليوم عرابة الأوسي فتنازعوا بفناء الكعبة فقال لهم رجل لقد أفرطتم في الكلام فليمض كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله حتى ننظر بما يعود فنحكم على العيان فقام صاحب ابن جعفر فوافاه وقد وضع رجله في ركاب راحلته يريد ضيعة له فقال الرجل يا ابن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به قال فأخرج رجله وقال ضع رجلك واستو على الناقة وخذ ما في الحقيبة وكان فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار ومضي صاحب قيس فوجده نائما فقالت له جارية لقيس ما حاجتك فقال ابن سبيل ومنقطع به فقالت له الجارية حاجتك أهون من إيقاظه هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس اليوم غيرها وامض إلى معاطن الابل فخذ راحلة من رواحله وما يصلحها وعبدا وامض لشأنك قيل إن قيسا لما انتبه أخبرته الجارية بما صنعت فاعتقها ولو لم تعلم أن ذلك يرضيه ما جسرت أن تفعله فخلق خدم الرجل مقتبس من خلقه قال بعض الشعراء :

وإذا ما أختبرت ود صديق ** فاختبر وده من الغلمان

ومضي صاحب عرابة فوجده قد خرج من منزله يريد الصلاة فقال يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به وكان معه عبدان فصفق بيده اليمنى على اليسرى وقال أواه أواه والله ما أصبح ولا أمسى الليلة عند عرابة شيء ولا تركت له الحقوق مالا ولكن خذ هذين العبدين فقال الرجل والله ما كنت بالذي يسلبك عبديك فقال ان أخذتهما وإلا فهما حران لوجه الله تعالى فان شئت فاعتق فأخذ الرجل العبدين ومضى ثم اجتمعوا وذكروا قصة كل واحد فحكموا لعرابة لأنه أعطى على جهد .

قيل إن شاعرا قصد خالد بن يزيد فأنشده شعرا يقول فيه

سألت الندى والجود حران أنتما ** فقالا يقينا إننا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولا ** إلي وقالا خالد بن يزيد

فقال يا غلام اعطه مائة ألف درهم وقل له ان زدتنا زدناك فأنشد يقول :

كريم كريم الأمهات مهذب ** تدفق يمناه الندى وشمائله
هو البحر من أى الجهات أتيته ** فلجته المعروف والجود ساحلة
جواد بسيط الكف حتى لو أنه ** دعاها لقبض لم تجبه أنامله

فقال يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له إن زدتنا زدناك فأنشد يقول :

تبرعت لي بالجود حتى نعشتني ** وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
وأنبت ريشا في الجناحين بعدما ** تساقط مني الريش أو كاد يذهب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ** حليف الندى ما للندى عنك مذهب

فقال يا غلام اعطه مائة ألف درهم وقل له إن زدتنا زدناك فقال حسب الأمير ما سمع وحسبي ما أخذت وانصرف .

وأما الجود في الجاهلية

فهو حاتم بن عبد الله الطائى وهرم ابن سنان وخالد بن عبيد الله وكعب بن أمامة الأيادي وضرب المثل بحاتم وكعب وحاتم أشهرهما فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء في المفازة ومات عطشا وليس له خبر مشهور وأما خالد بن عبيد الله فانه جاء إليه بعض الشعراء ورجله في الركاب يريد الغزو فقال له إني قلت فيك بيتين من الشعر فقال في مثل هذا الحال قال نعم فقال هاتهما فأنشده يقول

يا واحد العرب الذي ** ما في الأنام له نظير
لو كان مثلك آخر ** ما كان في الدنيا فقير

فقال يا غلام أعطه عشرين ألف دينار فأخذها وانصرف .

وأما حاتم فأخباره كثيرة وآثاره في الجود شهيرة ويكنى أبا سفانة وأبا عدى وكان يسير في قومه بالمرباع والمرباع ربع الغنيمة وابنته سفانة وكانت من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس فقال لها أبوها يا بنية إن الكريمين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فأما أن أعطى وتمسكى وأما أن أمسك وتعطى فانه لا يبقي على هذا شيء فقالت له منك تعلمت مكارم الأخلاق قال ابن الأعرابي كان حاتم الطائي من شعراء الجاهلية وكان جوادا يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله وكان حيثما نزل عرف منزله وكان مظفرا إذا قاتل غلب وإذا سئل وهب
وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق وكان إذا أهل رجب الذي كانت تعظمه مضر في الجاهلية نحر كل يوم عشرا من الابل وأطعم الناس واجتمعوا اليه وكان قد تزوج ماوية بنت عفير وكانت تلومه على إتلاف المال فلا يلتفت لقولها وكان لها ابن عم يقال له مالك فقال لها يوما ما تصنعين بحاتم فوالله لئن وجد مالا ليتلفنه وإن لم يجد ليتكلفن ولئن مات ليتركن أولادا عالة على قومك فقالت ماوية صدقت إنه كذلك
وكانت النساء يطلقن الرجال في الجاهلية وكان طلاقهن أن يكن في بيوت من شعر فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب وإن كان من قبل المغرب حولته إلى المشرق وإن كان من قبل اليمن حولته إلى الشام وإن كان من قبل الشام حولته إلى اليمن فإذا رأى الرجل ذلك علم إنها طلقته فلم يأتها ثم قال لها ابن عمها طلقي حاتما وأنا أتزوجك وأنا خير لك منه وأكثر مالا وأنا أمسك عليك وعلى ولدك فلم يزل بها حتى طلقته فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء فقال حاتم لولده يا عدي
أترى ما فعلت أمك فقال قد رأيت ذلك قال فأخذ ابنه وهبط بطن وادى فنزل فيه فجاء قوم فنزلوا على باب الخباء (بيته السابق) كما كانوا ينزلون وكان عدتهم خمسين فارسا فضاقت بهم ماوية ذرعا وقالت لجاريتها اذهبى إلى ابن عمي مالك وقولي له إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بشيء نقريهم ولبن نسقيهم وقالت لها انظرى إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلى منه وإن ضرب بلحيته على زوره ولطم رأسه فاقبلي ودعيه فلما أتته وجدته متوسدا وطبا من لبن فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت له إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكان حاتم فلطم رأسه بيده وضرب بلحيته وقال أقرئيها السلام وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتما لأجله وما عندى لبن يكفي أضياف حاتم .
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت وبما قال لها فقالت لها اذهبي إلى حاتم وقولي له إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ولم يعلموا مكانك فارسل إلينا بناقة نقريهم ولبن نسقيهم فأتت الجارية حاتما فصاحت به فقالت لبيك قريبا دعوت فأخبرته بما جاءت بسببه فقال لها حبا وكرامة ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقالهما وصاح بهما حتى أتيا الخباء ثم ضرب عراقيبهما فطفقت ماوية تصيح هذا الذي طلقتك بسببه نترك أولادنا وليس لهم شيء فقال لها ويحك يا ماوية الذي خلقهم وخلق الخلق متكفل بأرزاقهم وكان إذا اشتد البرد وغلب الشتاء أمر غلمانه بنار فيوقدونها في بقاع الأرض لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلا فيقصدها ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فانه كان لا يجود بهما فقد جاد بفرسه في سنة مجدبة
حكى أن ملكان ابن اخي ماوية قال قلت لها يوما ياعمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه فقالت يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أصابت الناس سنة أذهبت الخف والظلف وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا فأخذت سفانة وأخذ عديا وجعلنا نعللهما حتى ناما فأقبل علي يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام فرفقت به لما به من الجوع فأمسكت عن كلامه لينام فقال لي أنمت فلم اجبه فسكت ونظر في فناء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه فإذا امراة فقال ما هذا فقالت يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعا فقال لها احضري صبيانك فوالله لأشبعنهم فقامت سريعا لأولادها فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم بماذا تشبع أطفالها فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل فقال والله لأشبعنك واشبعن صبيانك وصبيانها فلما جاءت المرأة نهض قائما وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه فذبحه ثم أجج نارا ودفع إليها شفرة وقال قطعي واشوى وكلي واطعمى صبيانك فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم فقال والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم ثم أتى الحي بيتا بيتا يقول لهم انهضوا بالنار فاجتمعوا حول الفرس وتقنع حاتم بكسائه وجلس ناحية فوالله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر ولا والله ما ذاقها حاتم وإنه لأشدهم جوعا وأخباره كثيرة مشهورة ومن شعره :

أماوى إن المال غاد ورائح ** ويبقي من المال الأحاديث والذكر
وقد علم الأقوام لو أن حاتما ** أراد ثراء المال كان له وفر

وأغار قوم على طيء فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى في جيشه وأهل عشيرته ولقي القوم فهزمهم وتبعهم فقال له كبيرهم يا حاتم هب لى رمحك فرمى به إليه فقيل لحاتم عرضت نفسك للهلاك ولو عطف عليك لقتلك فقال قد علمت ذلك ولكن ما جواب من يقول هب لي .
ولما مات عظم على طيء موته فادعى أخوه أنه يخلفه فقالت له أمة هيهات شتان والله ما بين خلقتيكما وضعته فبقي والله سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت إحدى ثديي طفلا من الجيران وكنت أنت ترضع ثديا ويدك على الآخر فأني لك ذلك قال الشاعر

يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ** وإن مات قامت للسخاء مآتم

والحكايات في ذكر الأجواد والكرماء والأسخياء وأهل المعروف وما كانوا عليه من السخاء والكرم أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وقد قال الشاعر :

ولا شيء يدوم فكن حديثا ** جميل الذكر فالدنيا حديث

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


المصدر : المستطرف فى كل فن مستظرف
الشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي

احمد السندى
07-22-2009, 05:06 PM
تفعيل الموضوع

احمد السندى
07-22-2009, 10:11 PM
تفعيل الموضوع

احمد السندى
07-26-2009, 12:50 AM
لمن أكتب ؟؟؟!!!!

احمد السندى
08-03-2009, 05:21 AM
ماشاء الله 20 مشاهده ولا رد واحد

اما انه لايوجد تشجيع واما انه غير مفهوم مااكتبه ؟؟؟؟؟

ياجماعه الذى اكتبه غير موجود بالشبكه العنكبوتيه

وانما انقله من مصدره الرئيسى من بطون الكتب !!!!

لا اله الا الله
08-04-2009, 02:18 AM
اخوي الكبير احمد السندي بيض الله وجهك على ما يكتب لنا قلمك وعساك على القوه

وبيض الله وجهك مليون مليون مليار مليار مره وحنا مقصرين بحقكم حيل وابشر والله بسعد

وابشر بالي يطيب خاطرك وانت وافي ولا تلحقك اقصور ياجعلك تسلم وتحيا يا الغالي ..

تحياتي لك وتقديري .

إحسآس جديد
08-04-2009, 02:42 AM
يعطيك العافيه
وبارك الله فيك . على عطاءك المميز

تقبل مروري اخونا الغالي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

ثابت الخطوه
08-04-2009, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
انت روووووووووووعه