احمد السندى
03-16-2009, 05:37 PM
سعاد
ذكر أن معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم بمجلس كان له بدمشق علي قارعة الطريق , وكان المجلس مفتّح الجوانب لدخول النسيم , وبينما هو في مجلسه ذاك رأي رجلا يمشي حافيا مسرعا
, في يوم شديد الحر . فقال معاوية لجلسائه لم يخلق الله ممن أحتاج إلي لنفسه في مثل هذا اليوم .
ثم قال يا غلام سر إليه وأكشف عن حاله فوالله إن كان فقيرا لأغنينه , وإن كان شاكيا لأنصفنّه .
فجيء به أمام معاوية فسلم ثم أنشد يقول ..
معـاوي يـا ذا العـلـم والحـلـم والفـضـل ** ويـا ذا النـدي والـجـود والنـابـل الـجـزل
أتيتـك لمّـا ضــاق فــي الأرض مذهـبـي ** فيـا غيـث لا تقطـع رجائـي مــن الـعـدل
وُجـدّ لـيّ بإنصـافٍ مـن الجـائـر الــذي ** شـوانـي شّـيـاً كــان أيـسـره قـتـلـي
ســــبــــانـــــي سعاد وانبري لخصومتي ** وجار ولم يعدل واغصبني أهلي
قـصــدت لأرجـــو نـفـعـه فأثـابـنـي ** بسـجـن وأنــواع الـعـذاب مــع الكـبـل
أغـثـنـي جـــزاك الله عـنــي جـنــة ** فقـد طـار مـن وجـد ٍ بسعـدي لهـا عقلـي
فلما فرغ من شعره قال له معاوية أراك تشتكي عاملا ولم ُتسمّه لنا , قال الرجل هو والله ابن عمك مروان بن الحكم. قال كانت لي زوجة كلفت بها من كمال جمالها وعقلها فبقيت معها زمانا في أصلح حال
وأنعم بال , وكانت ليّ صرمة من إبل وشويهات فكنت أعولها ونفسي , فوقع عليها داء فهلكت جميعها ,
ثم ساءت حالي فلمّا بلغ ذلك أباها حال بيني وبينها وأنكرني وجحدني فجئت إلي مروان مشتكيا عمي فبعث إليه وسأله مروان لم حلت بين أبن أخيك وزوجه ؟ فأنكر الرجل وقال ليس له عندي زوجة ولم أزوجه من ابنتي قط . قلت أنا راض بحكم الجارية , فجيء بالزوجة فلما وقفت بين يدي مروان ونظر إلي حسنها وقع هواها في نفسه فأنتهرني وأمر بي إلي السجن . ثم قال لعمّي هل لك أن تزوجها منّي , وأنقدك ألف دينار وازيدك عشرة آلاف درهم وأنا اضمن طلاقها ؟ قال له أبوها إن فعلت ذلك زوجتها منك . فلما كان الغد بعث اليّ وأمرني أن أطلق زوجتي والا فانه قاطع رأسي فخشيت علي نفسي من غضبه فطلقتها وتزوجها مروان ثم أنشد قائلا :
في القلب مني نار ** والنار فيه الدمـار
والجسم مني سقيم ** فيه الطبيب يحـار
فأرحم كئيبا حزينا ** فـؤاده مستطـار
أردد عليّ سعادي ** يثيبـك الجـبّـار
ثم خرّ الرجل مغشيا عليه , فنظر إليه معاوية وقال : إعتدي والله مروان بن الحكم ضرارا في حدود الدين , ثم أمر بدواة وقرطاس فكتب إلي مروان . بلغني أنك اعتديت علي رعيتك , وانتهكت حرمة رجل من المسلمين , وإنما الوالي كالراعي وكان عليك أن تغض بصرك وشهواتك وتزجر نفسك عن لذاتك ثم ختم بهذه الأبيات .
ولّيت ويحك أمرا لست تحكمـه ** فأستغفر الله من فعل أمريء زاني
قد كنت عندي ذا عقـل وذا لـب ** مع القراطيس تمثـالا وفرقـان
حتى أتانا الفتي العذري منتحبـا ** يشكو إلينـا ببـث ثّـم أحـزان
أعطي الإلـه يمينـا لا أكفرهـا ** حقا وأبرأ مـن دينـي وديانـي
إن أنت خالفتني فيما كتبت بـه ** لأجعلنّـك لحمـا بيـن عقبانـي
طلّق سعـاد وعجلهـا مجهـزة ** مع الكميت ومع نصر بن ذبيـان
فما سمعت كما بلغت فـي بشـر ** ولا كفعلـك حقـا فعـل إنسـان
فأختر لنفسك إمّا أن تجود بهـا ** أو أن تلاقي المنايا بيـن أكفـان
وما أن وقع الكتاب بين يدّي مروان حتى صار يبكي وينتحب فرأته سعاد وسألته عمّا يبكيه فحكي لها عن كتاب الخليفة وأمره أن أطلقك , فطلقها وأرسلها إلي معاوية وكتب يقول :
لاتعجلنّ أمير المؤمنيـن فقـد ** أوفي بنذرك في رفق وإحسـان
وما ركبت حراما حين أعجبني ** فكيف أدعي باسم الخائن الزاني
أعذر فأنك لو أبصرتها لجـرت ** منك المآقي علي أمثال إنسـان
فسوف يأتيك شمس لا يعادلها ** عند الخليفة إنـس ولا جـان
لولا الخليفة ما طلقتهـا أبـدا ** حتى أضمّن في لحـد وأكفـان
علي ُسعاد سَلام من فتيً قلق ٍ ** حتى خلّفته بأوصاب ٍ وأحـزان
فلمّا وصل الكتاب إلي الخليفة قرأه وقال : أحسن والله في هذه الأبيات وأساء إلي نفسه . ثم أمر بالجارية فأدخلت إليه فإذا هي رعبوبة لا تبقي لناظرها عقلا , من حسنها وكمالها فاستنطقها فإذا هي أفصح نساء العرب , فأمر بزوجها فلما وقف بين يديه قال له معاوية : هل لك عنها من سلو وأعوضك عنها بثلاث جوار أبكار مع كل جارية ألف درهم وعلي كل واحدة عشر خلع من الخزّ والديباج والحرير وأجعل لك من الصلات والنفقات . فما أن أتم الأمير كلامه حتى خرّ الفتي مغشيا عليه فلمّا
أفاق قال : أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جور مروان . ثم أنشأ يقول :
لا تجعلـنّـي هـــداك الله مـــن مـلــك ** كالمستجـيـر مــن الـرمـضـاء بـالـنـار
أردد سعاد علي حيران مكتئب ** يمسي ويصبح في همّ وتذكار
والله لا أنـــســــي مـحـبــتــهــا ** حـتـى أغـيّـبُ فــي قـبـري وأحـجـاري
كيـف السلـو وقــد هــام الـفـؤادُ بـهـا ** فــإن فعـلـتُ فـأنـي غـيــرُ كـفّــار ِ
فأجمـل بفضلـك وافـعـل فـعـل ذي كــرم ٍ ** لا فـعـل غـيـرُك فـعـل الـلـؤم والـعـار
ثم قال والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كل ما احتوت الخلافة ما رضيت دون سعــاد . ولكن الطمع كان قد دخل قلب الخليفة فلم يعر الفتي إهتماما فالتفت إلي الجارية ليسمع رأيها خاصة بعد أن علم أنها
مطلقة ثم قال للشاب نخيرها بيننا فقبل الشاب. فتحول معاوية إليها وقال: ايّنا أحب إليك : أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره , أو مروان في غصبه وإعتدائه , أو هذا الإعرابي في جوعه وإطماره ؟ فأشارت الجارية إلي ابن عمها , وأنشدت تقول :
هذا وإن كان في جوع وإطمار ** أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التاج أو مروان عامله ** وكل ذي درهم منهـم ودينـار
ثم قالت : لست والله يا أمير المؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته , ولقد كانت ليّ معه صحبة جميلة , وأنا أحق من صبر علي السراء والضراء ,وعلي الشدة والرخاء وعلي العافية والبلاء . فعجب معاوية من عقلها وكمالها ومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف دينار وردّها الي زوجها
المصدر : اخبار النساء - ابن الجوزى
ذكر أن معاوية بن أبي سفيان جلس ذات يوم بمجلس كان له بدمشق علي قارعة الطريق , وكان المجلس مفتّح الجوانب لدخول النسيم , وبينما هو في مجلسه ذاك رأي رجلا يمشي حافيا مسرعا
, في يوم شديد الحر . فقال معاوية لجلسائه لم يخلق الله ممن أحتاج إلي لنفسه في مثل هذا اليوم .
ثم قال يا غلام سر إليه وأكشف عن حاله فوالله إن كان فقيرا لأغنينه , وإن كان شاكيا لأنصفنّه .
فجيء به أمام معاوية فسلم ثم أنشد يقول ..
معـاوي يـا ذا العـلـم والحـلـم والفـضـل ** ويـا ذا النـدي والـجـود والنـابـل الـجـزل
أتيتـك لمّـا ضــاق فــي الأرض مذهـبـي ** فيـا غيـث لا تقطـع رجائـي مــن الـعـدل
وُجـدّ لـيّ بإنصـافٍ مـن الجـائـر الــذي ** شـوانـي شّـيـاً كــان أيـسـره قـتـلـي
ســــبــــانـــــي سعاد وانبري لخصومتي ** وجار ولم يعدل واغصبني أهلي
قـصــدت لأرجـــو نـفـعـه فأثـابـنـي ** بسـجـن وأنــواع الـعـذاب مــع الكـبـل
أغـثـنـي جـــزاك الله عـنــي جـنــة ** فقـد طـار مـن وجـد ٍ بسعـدي لهـا عقلـي
فلما فرغ من شعره قال له معاوية أراك تشتكي عاملا ولم ُتسمّه لنا , قال الرجل هو والله ابن عمك مروان بن الحكم. قال كانت لي زوجة كلفت بها من كمال جمالها وعقلها فبقيت معها زمانا في أصلح حال
وأنعم بال , وكانت ليّ صرمة من إبل وشويهات فكنت أعولها ونفسي , فوقع عليها داء فهلكت جميعها ,
ثم ساءت حالي فلمّا بلغ ذلك أباها حال بيني وبينها وأنكرني وجحدني فجئت إلي مروان مشتكيا عمي فبعث إليه وسأله مروان لم حلت بين أبن أخيك وزوجه ؟ فأنكر الرجل وقال ليس له عندي زوجة ولم أزوجه من ابنتي قط . قلت أنا راض بحكم الجارية , فجيء بالزوجة فلما وقفت بين يدي مروان ونظر إلي حسنها وقع هواها في نفسه فأنتهرني وأمر بي إلي السجن . ثم قال لعمّي هل لك أن تزوجها منّي , وأنقدك ألف دينار وازيدك عشرة آلاف درهم وأنا اضمن طلاقها ؟ قال له أبوها إن فعلت ذلك زوجتها منك . فلما كان الغد بعث اليّ وأمرني أن أطلق زوجتي والا فانه قاطع رأسي فخشيت علي نفسي من غضبه فطلقتها وتزوجها مروان ثم أنشد قائلا :
في القلب مني نار ** والنار فيه الدمـار
والجسم مني سقيم ** فيه الطبيب يحـار
فأرحم كئيبا حزينا ** فـؤاده مستطـار
أردد عليّ سعادي ** يثيبـك الجـبّـار
ثم خرّ الرجل مغشيا عليه , فنظر إليه معاوية وقال : إعتدي والله مروان بن الحكم ضرارا في حدود الدين , ثم أمر بدواة وقرطاس فكتب إلي مروان . بلغني أنك اعتديت علي رعيتك , وانتهكت حرمة رجل من المسلمين , وإنما الوالي كالراعي وكان عليك أن تغض بصرك وشهواتك وتزجر نفسك عن لذاتك ثم ختم بهذه الأبيات .
ولّيت ويحك أمرا لست تحكمـه ** فأستغفر الله من فعل أمريء زاني
قد كنت عندي ذا عقـل وذا لـب ** مع القراطيس تمثـالا وفرقـان
حتى أتانا الفتي العذري منتحبـا ** يشكو إلينـا ببـث ثّـم أحـزان
أعطي الإلـه يمينـا لا أكفرهـا ** حقا وأبرأ مـن دينـي وديانـي
إن أنت خالفتني فيما كتبت بـه ** لأجعلنّـك لحمـا بيـن عقبانـي
طلّق سعـاد وعجلهـا مجهـزة ** مع الكميت ومع نصر بن ذبيـان
فما سمعت كما بلغت فـي بشـر ** ولا كفعلـك حقـا فعـل إنسـان
فأختر لنفسك إمّا أن تجود بهـا ** أو أن تلاقي المنايا بيـن أكفـان
وما أن وقع الكتاب بين يدّي مروان حتى صار يبكي وينتحب فرأته سعاد وسألته عمّا يبكيه فحكي لها عن كتاب الخليفة وأمره أن أطلقك , فطلقها وأرسلها إلي معاوية وكتب يقول :
لاتعجلنّ أمير المؤمنيـن فقـد ** أوفي بنذرك في رفق وإحسـان
وما ركبت حراما حين أعجبني ** فكيف أدعي باسم الخائن الزاني
أعذر فأنك لو أبصرتها لجـرت ** منك المآقي علي أمثال إنسـان
فسوف يأتيك شمس لا يعادلها ** عند الخليفة إنـس ولا جـان
لولا الخليفة ما طلقتهـا أبـدا ** حتى أضمّن في لحـد وأكفـان
علي ُسعاد سَلام من فتيً قلق ٍ ** حتى خلّفته بأوصاب ٍ وأحـزان
فلمّا وصل الكتاب إلي الخليفة قرأه وقال : أحسن والله في هذه الأبيات وأساء إلي نفسه . ثم أمر بالجارية فأدخلت إليه فإذا هي رعبوبة لا تبقي لناظرها عقلا , من حسنها وكمالها فاستنطقها فإذا هي أفصح نساء العرب , فأمر بزوجها فلما وقف بين يديه قال له معاوية : هل لك عنها من سلو وأعوضك عنها بثلاث جوار أبكار مع كل جارية ألف درهم وعلي كل واحدة عشر خلع من الخزّ والديباج والحرير وأجعل لك من الصلات والنفقات . فما أن أتم الأمير كلامه حتى خرّ الفتي مغشيا عليه فلمّا
أفاق قال : أعوذ بعدلك يا أمير المؤمنين من جور مروان . ثم أنشأ يقول :
لا تجعلـنّـي هـــداك الله مـــن مـلــك ** كالمستجـيـر مــن الـرمـضـاء بـالـنـار
أردد سعاد علي حيران مكتئب ** يمسي ويصبح في همّ وتذكار
والله لا أنـــســــي مـحـبــتــهــا ** حـتـى أغـيّـبُ فــي قـبـري وأحـجـاري
كيـف السلـو وقــد هــام الـفـؤادُ بـهـا ** فــإن فعـلـتُ فـأنـي غـيــرُ كـفّــار ِ
فأجمـل بفضلـك وافـعـل فـعـل ذي كــرم ٍ ** لا فـعـل غـيـرُك فـعـل الـلـؤم والـعـار
ثم قال والله يا أمير المؤمنين لو أعطيتني كل ما احتوت الخلافة ما رضيت دون سعــاد . ولكن الطمع كان قد دخل قلب الخليفة فلم يعر الفتي إهتماما فالتفت إلي الجارية ليسمع رأيها خاصة بعد أن علم أنها
مطلقة ثم قال للشاب نخيرها بيننا فقبل الشاب. فتحول معاوية إليها وقال: ايّنا أحب إليك : أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره , أو مروان في غصبه وإعتدائه , أو هذا الإعرابي في جوعه وإطماره ؟ فأشارت الجارية إلي ابن عمها , وأنشدت تقول :
هذا وإن كان في جوع وإطمار ** أعزّ عندي من أهلي ومن جاري
وصاحب التاج أو مروان عامله ** وكل ذي درهم منهـم ودينـار
ثم قالت : لست والله يا أمير المؤمنين لحدثان الزمان بخاذلته , ولقد كانت ليّ معه صحبة جميلة , وأنا أحق من صبر علي السراء والضراء ,وعلي الشدة والرخاء وعلي العافية والبلاء . فعجب معاوية من عقلها وكمالها ومروءتها وأمر لها بعشرة آلاف دينار وردّها الي زوجها
المصدر : اخبار النساء - ابن الجوزى