المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تيماء ( في شعر أبي زيد الهلالي ) وجبل كنات


عبدالله خلف الشويلعي
03-26-2011, 01:09 PM
تيماء ( في شعر أبي زيد الهلالي ) وجبل كنات


التقارير التاريخية تقول أن بني هلال قد رحلوا من شبه الجزيرة العربية في القرن الرابع من الهجرة ، وهم فصحاء اللسان ، مع إقرار علماء العربية أن ما نقل على ألسنة شعرائهم في مصر وشمال أفريقية يؤكد أنهم قد تأثروا بألفاظ لغوية عاميّة ، هي الأخرى كان لها في عاميّة أهل شبه جزيرة العرب وجود قبل هجرتهم ، وإن لم تكن لها السمة الغالبة على الفصحى ، ولذلك كان لشيوع الشعر الهلالي في الآفاق أثناء ملاحمهم التاريخية في الشمال الأفريقي أثر واضح في الشعر الشعبي في ( نجد )
و( الحجاز ) ، بحيث أصبح كل شعر في شبه الجزيرة العربية يتناغم في لغته وأوزانه مع شعرهم الشعبي يُعزى إليهم ( 1 ) ، ، سواء أكان لهم فعلاً أم لسواهم ، ومن هذا التعميم ينسب إلى أبي زيد الهلالي قوله :


مرّيت تيماء على هجعت الملا



وسمعت فيها لعب وغيّ بنات(2)


عارضتني زينة العينين مليحهْ



وقالتْ يا راعي النجيبهْ بات




إلى أن قال :



أنا أن سلمت وسلّم فاطري



شريق الضحاء وأنا رقيب كناتْ



وكنات : جبل متواضع الحجم والارتفاع ، يقع في الجنوب الشرقي من الحائط
( فدك قديماً ) على أميال يسيرة ، وشرقاً من هضب ( القور ) ، يفصل بينهما منخفض من الأرض والأودية الكريمة المراعي ، وفي أسافل هذا المنخفض ينتصب جبل
( البصر الضخم ) مجاوراً لجبل ( كنات ) في الشمال الغربي منه .
ومما تجب ملاحظته أن المسافة بين تيماء البلدة والواحة المشهورة قديماً وحديثاً ، وجبل كنات هي في أدنى تقدير لها ( 250) كيلاً منها ( 150 ) كيلاً في صحراء الجهراء و( 100 ) كيل على الأقل في المواضع الغربية من حرّة ليلى ( حرّة اثنان ) والمواضع الشرقية من حرّة النار ( حرّة خيبر ) وهذه المسافة لا تعطي ناقة الشاعر أي وجه من وجوه المبالغة في إمكانية اجتيازها على الوجه الذي حدده الشاعر هنا حتى لو قدر لها أن تطوي تلك المسافة في قاع صفصف ، فهل كان الشاعر يعني تيماء أخرى ؟
لاشك في أن إقتران ذكر تيماء هذه قديماً بالسموأل تارة ، وباليهودي تارة أخرى يوحي أن هذا الإقتران دليل على وجود أكثر من موضع يحمل الاسم نفسه ، فدعونا نقلّب معاجم الأمكنة ، لنرى إن كان فيها من أسماء المواضع بهذا الاسم ما هو إلى جبل كنات أقرب من غيره ، وبالتالي يمكن القول أنه هو الذي عناه الشاعر ، لننظر :
1- تيماء : البلدة والواحة المشهورة قديماً ، وقد أصبحتْ في هذا العهد مدينة عامرة بالسكان ، وشهرتها تغني عن تحديدها ، وقد تقدمت الإشارة إلى تقدير المسافة بينها وبين جبل( كنات ) ، قال ياقوت الحموي : الأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها ، فلذلك كان يقال لها تيماء اليهودي (3). وإياها عنى الأعشى :



ولا عاديا لم يمنع الموتَ مَالُهُ




ووِرْدٌ بتيماء اليهوديّ أبْلَقُ




وقال بعضُ الأعراب :


إلى اللهِ أشكو لا إلى النَاسِِ أنّني




بتيماء تيماء اليهود غريبُ


وأنّي بتهباب الرياح موكلُ




طرُوبٌ إذا هبّتْ عليّ جنوبُ


وإن هَبّ عُلوِيٌ الرّياح وجدتني




كأنّي لعُلويّ الرياح نسيبُ




وعلى هذا النحو جاء ذكرُها على لسان ابن ميّاده من مقطوعة شعرية له ، في معشوقته ( أُمّ جحدرٍ ) ، لمّا رحل بها زوجها إلى الشام ، وقد هاجه الشوق إليها وقال:



ألمّا على تيماء نسألْ يَهودَها



فإن لدى تيماء من ركبها خُبرا(4)




2- تيماء : هضبة حمراء في عالية نجد ، وكانت قديماً من معالم ديار بني محارب ، وقد ورد أسمها في معاجم الجغرافيا القديمة باسم ( تيمن ) ، قال ياقوت : تيمن ذي ظلال : وادٍ إلى جنب فدك في قول بعضهم ، والصحيح أنه في عالية نجد (5) . قلت : وهذا هو الواقع ، وذو ظلال هو تصحيف طلال ، ولا يزال معروفاً ، ولعل في مجيء ذكرها هنا مقرونة بـ( فدك ) إشارة إلى وجود غيرها هناك . وقال الأصبهاني : ذو طلال : أجبال سود لمحارب قريب من تيمن .. وقال العامري : مررت بتيمن مرة فأنفجتُ نعامة ، قامت عن ثماني بيضات (6) .. الخ.




قلت : لقد قمتُ بزيارة لهذه الهضبة عام 1422هـ ، فرأيتُها مستديرة على نفسها ، فوق مستند من الأرض ، أشبه ما تكون وهذا المستند بوكر طير الصقّار ، تشاهد بالعين المجردة في الجنوب الغربي من قرية طلال ، وإلى الجنوب منها ايضاً يشاهد جبل المضيّح المشهور . وكونها هضبة لا قرية والمسافة منها إلى جبل ( كنات ) تكاد تكون هي نفس المسافة بين تيماء التي قبلها وهذا المكان الأخير ، وعليه فلا من قرينة ترجّح أن تيماء هذه هي التي قصدها الشاعر.

3- تيماء : هضبة حمراء عالية الشناخيب ، ومتسعة الأرجاء ، تقع شرقاً من جبل ثهلان ، وجنوباً من بلدة الشعراء(7). وقد أكثر الشعراء الشعبيون من ذكرها ، قال أحدهم :

يا الله من قلب من الهجر يا سيف



كنّه يمسّس بين الأظلاع بحبال


ياونّتي ودموع عيني ذواريف



مثل الجلادا يوم ينسف على الجال


عديت تيما علها رايح الصيف



من كلّ مرتدمٍ من المزن هطّال




وهي كالتي قبلها ذكرت في المعاجم الجغرافية القديمة باسم ( تيمن ) ، قال أبو عليّ الهجريّ : سألتُ الباهليَّ عن تيمن ، فقال : هضبة برأس الذرو ، ذرو الشريف مغرب الشمس من حصن ابن عصام بيوم ، وسيل تيمن يصبُّ على الكلاب (8) .. الخ .
قلتُ : الشريف : بلد واسع يشمل الأرض الممتدة ما بين وادي السرّ ووادي الرشاء وهو في بحبوحة بلاد بني نمير من بني عامر بن صعصعة قديماً . وقال الهجريُّ : أنشدني النُميرِيُّ لجحيفة في ابنتها ، وزوجتها في بني نمير ، فلّما استهداها زوجها شاقها ذهابة فقالت :



صَحَا اْلقَلْبُ إلاّ عن ظَعَاينَ فاتني



بِهِنِّ نُمَيْرِيُّ لـ ( تيمن ) قَارِبُ


عليهنّ من حَوْكِ العِرَاقِ مَزِيّةٌ



وفيهِنَّ غِزْلانُ الصَّرِيْمِ الرّبايبُ


إذا قلتُ قد أرْتَعْنََ أنزلنَ حَادياً



قَضَى وطراً مِنْ خَلْفِهِ فَهْوَ هاربُ


فَعَهدِي بهم والآل يَزْهَى حُمُولَهُمْ



وقد كَلَّ طَرْفُ العَينِ عما أُراقبُ


وقد جعلوا ( دمخاً )(9) شمالاً وجاوزوا



( بتيلاً )(10) وحاديهم على السّيرِ وَاظبُ


تَكشَّفَ أحشاءُ الفُوادِ بَينهم



تَكَشُّفَ وَحْشِيَّ به الحَبلُ ناشِبُ


إذا مَا ضَمِيرُ القَلبِ مَنَّاكِ قُرْبَها



فقُولي لَهُ يا قَلْبِ إنّكَ كَاذِبُ


وَكَيفَ التّلاقي لا ضَمِيرُ يَضمُّنَا



ولا مَحْضَرٌ في الصَّيْفِ مِنَها تُقَارِبُ



وتيماء هذه أبعد مسافة من سابقتيها عن جبل ( وكانت ) ، وعليه فاستبعادها عما عنى الشاعر أولي .
4- تيماء في شعر امرئ القيس :



أصاح ترى بَرْقاً أُريك وَميضه



كلمع اليدين في حَبيٍّ مكَلَّل


قعدتُ له وصحبتي بين ضارجٍ



وبين العُذَيب بعدما متأمّل


على ( قطنا ) بالشَّيم أيمنُ صوبه



وأيسره على السِّتَار فَيذْبُل


فأضحى يَسُحُّ الماء حول كُتَيفةٍ



يَكُبُّ على الأذقان دوح الكنهبل


كأن أبانا في عرانين وبله



كبير أُناس في بجاد مُزَمَّلٍ


وتيماء لم يتحرك بها جذع نخلةٍ



ولا أُطُماً إلا مشيداً بجندل


كأن ذرى رأس المجيمر غُدْوة



من السيلِ والأغثاء فَلكَة مُغْزل


كأن مكاكيَّ الجُواء غُدُيَّةً



صُبِحْنَ سلافاً من رحيق مفلفل




فامرؤ القيس هنا يصف سحاباً ينهمر ودقه على أماكن في منطقة القصيم بعضها لا يزال معروفاً مثل : قطن ، أبان ، كتيفه ، الجواء ، وبعضها الآخر تغيّر اسمه مثل : المجيمر ( المصيقر حالياً )(11) ، ومنها لا يزال مجهولاً
مثل : ( تيماء ) ، وهي مدار البحث ، فهو لم يذكرها كبلدة في هذه الجهة فحسب ، بل فوق هذا وصف انهيار عمرانها من أثر ذلك المطر وصفاً بليغاً ، مع التفاتة أدبية ممتعة عن حال الانتشاء التي قد انتابت مكاكيَّ الجواء ( طيور أم سالم ) في صباح ذلك
المطر ، وهي تزجي من الفرح والانشراح أجمل الأصوات لحناً وأعذبها طرباً ، بعد أن تحول منظرها وهي تلعب في الجو – علوّاً ونزولاً – كأنها سكرى.
وما جاء من ذكرٍ لها في شعر امرئ القيس في هذه الناحية. يؤكده نص فارد ونفيس للهمداني إذ قال : تيماء منزل كثير النخل عادل عن محجة العراق ، وهي غير تيماء السموأل. (12)
وقد علّق الشيخ محمد بن ناصر العبوديّ على هذا النص الواضح وقال : أقول : يريد بمحجة العراق طريق الكوفي الذي يمرُّ بسميراء والحاجر ثم النقرة أي تلك المنطقة بالذات وإلى جانب نص الهمداني هذا على أن تيماء ليست تيماء السموأل فإن وجود تيماء أخرى في تلك المنطقة كان قد تقرر في أذهان بعض سكانها ممن ليس لهم إطلاع على التاريخ

القديم حدثني كنعان بن عايش السليمي من ولد سليم سكان ( البعيثة) وما حولها قال : إنه يوجد مكان إلى الشمال من هجرتهم البعيثة إلى الشمال من الحاجر على بعد حوالي 4 أكيال يسمى ( الروضة ) جاءهم سيل عظيم فأظهر لهم فيها 17 قليباً مطوية – عمروا منها قليبين إحداهما عليها آلة رافعة للمياه ويقول : إن بعضهم قال إن اسمها في القديم كان تيماء . وأن فغانة جبل إلى الشرق منهم اسمه دغانه في القديم (13).
قلت : وبذلك يتضح وجود بلدة قديمة كانت تسمى ( تيماء ) تقع على بضعة أميال في الشمال الغربي من الحاجر ، وهي اليوم تحت الأرض ، والمسافة بينها وبين جبل
( كنات) تقل عن 100 كيل ، وعليه فهي لا غيرها المكان الذي بإمكان الشاعر أن يغادره في أواخر الليل راكباً ، ويصل جبل كنات بُعَيد شروق الشمس بلا مشقة .
ويبقى العثور على هذه البلدة وأظهارها موكولاً لعلماء الآثار ، فهم الذين يعود إليهم الفضل في ظهور بلدة ( الربذة) على وجه الأرض ، بعد أن لبثت مختفية تحتها مئات السنين ، وكان من أول أمرها أن دمرها القرامطة في القرن الرابع من الهجرة (14) .
ولعل ما تقدم في هذا البحث يساعد على وضوح الرؤية ويزيل اللبس عن تيماء الشاعر. والله ولي التوفيق


عطاالله ضيف الله الرشيدي




المصادر


(1) بنو هلال أصحاب التغريبة : ص 9
(2) في معجم شمال المملكة : 3/ 1150
مرّيت تيما تامها البين والبلا وسمعت فيها لعب وغَىّ بنات
(3) معجم البلدان : 2/ 67 .
(4) الأغاني : 2/ 238 .
(5) معجم البلدان : 2/ 68 .
(6) بلاد العرب : 186- 187 .
(7) عالية نجد : 1/ 254 .
(8) التعليقات والنواد : 2/ 564 .
( 9- 10 ) دمخ وبتيل : الأول جبل لايزال معروفاً ، والثاني: هضبة بجواره ؛ وتعرف حالياً بـ ( فريدة دمخ ) والموضوعان كانا قديماً من ديار عمرو بن كلاب ، وحالياً من ديار الشيابين من عتيبه : عالية نجد : 2/533 و 3/1038 نفس المصدر .
(11) معجم بلاد القصيم : 6/ 2277 .
(12) صفة جزيرة العرب : ص 178 .
(13) معجم بلاد القصيم : 4/ 1389 .
( 14) معجم البلدان : 3/ 24 .

الباحث
03-26-2011, 01:53 PM
بحث جيد والاخ عطا الله بن ضيف الله باحث قدير وغني عن التعريف ومع تقديري لما ورد في البحث الا انني اميل الى ان المقصود هو تيما المدينه المشهوره قديما وحديثا والمسافه بينها وبين جبل كنات في حدود ماتصله نجائب الابل وليس بمستغرب على سيهله ناقة ابي زيد الهلالي ذات الشهره هذه المسافه وقد عرفت شخصيا بعض الاصائل من الابل من استطاعت ان تقطع مسافة 250 كيلا في مدة قدرت من شروق الشمس لغيابها واقل من ذلك --
مع تحياتي وتقديري لناقل الموضوع الاخ السمهودي والسلام

عبدالله خلف الشويلعي
03-26-2011, 03:52 PM
أشكرك أخي الباحث :

كلامك سليم , و الإختلاف في الرأي وارد , و الكل له وجهة نظره , و أنا شخصيا أحترم وجهة نظرك , و وجهة نظر العم أبو ماجد -حفظه الله- .


و بالنسبة لإبل بني رشيد فهي من أشهر الإبل الأصايل , حيث يقول فيها الشيخ عجلان بن رمال الشمري :

حمرا تضيم الدو ما تستضيمي 000 تلقى العتاري حاشيات عذاره
مشتاه من عذفا إلى أم الصريمي 000 و مرباعها اللبة تقطف قراره
تمشي من المركوز وقت الجهيمي 000 و الظهر حط رعون كبد يساره

أنظر إلى البيت الثالث , يقول : أنها تمشي من المركوز وقت الفجر (الجهيمي) , و عند حلول الظهر تصل إلى رعون كبد , و المسافة بين الموضعين شاسعا جدا .

الباحث
03-30-2011, 04:00 PM
أشكرك أخي الباحث :

كلامك سليم , و الإختلاف في الرأي وارد , و الكل له وجهة نظره , و أنا شخصيا أحترم وجهة نظرك , و وجهة نظر العم أبو ماجد -حفظه الله- .


و بالنسبة لإبل بني رشيد فهي من أشهر الإبل الأصايل , حيث يقول فيها الشيخ عجلان بن رمال الشمري :



أنظر إلى البيت الثالث , يقول : أنها تمشي من المركوز وقت الفجر (الجهيمي) , و عند حلول الظهر تصل إلى رعون كبد , و المسافة بين الموضعين شاسعا جدا .

----------------------------------------

اشكر لاخي رده المهذب والجميل والذي يدل على احترام وجهة النظر -- وليسمح لي سيدي مرة اخرى بان ابدي الراي بان المتداول هو قولهم والعصر حط ارعون كبد يساره ومنهم من قال تخطف الثايه بتالي نهاره ثم اضيف في وصف تلك الاصيل البيت --
الصبح كن ظله له جريمي --- والعصر تكل ينهشنه اسعاره -- الله اكبر ولا فكس ار 2011
تنويه --فعلا المسافه كبيره قياسا على قدرات الابل وقد مشيت هذه المسافه مرات عده عن طريق الصحراء وليس الازفلت -

عبدالله خلف الشويلعي
03-30-2011, 04:39 PM
أشكرك أخي | الباحث ؛ كلامك جدا سليم .

تقبل فائق التحايا .