المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرقة الضالة التي تكتفي بالقرآن دون السنة؟


ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:12 AM
المقدمة

الحمد لله رب العالمين –والصلاة والسلام على رحمة الله إلى العالمين ، وعلى إخوانه وآله وأصحابه والتابعين.
أما بعد؛
فلقد بعث الله – سبحانه وتعالى – محمداًe على فترة من الرسل ، وأنزل عليه القرآن الكريم ، فختم الله – تعالى- به الرسل ، وختم برسالته الرسالات ، وختم بكتابه الكتب ، وجعله مصدقاً لما بين يديه منها ومهيمناً عليها .
وقد جاء القرآن المجيد مشتملاً على الدين كله ، بعضه مفصل والكثير منه مجمل . وقد وكل الله - تعالى – تبيين الكتاب المجيد ، وتفصيله إلى رسوله محمد e ، ومن ثم ، جاءت سنة رسول اللهe مبينة لما أبهم ومفصلة لما أجمل . يقول الله -عز وجل- :}وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون {(النحل :44)
ولما كان الكتاب المجيد بحاجة إلى السنة تبينه وتفصله ، فقد كانت السنة من وحي الله –تعالى- إلى نبيه -e - حتى يكون المبيِّن والمبيَّن من مصدر واحد ، وعلى مستوى واحد ، وحاشا الله –تعالى – أن ينزل الكتاب وحيا ، ثم يترك بيان مافيه لبشر بعيداً عن الوحي . فإن المبيِّن له نفس أهمية المبيَّن من حيث هو وسيلة الانتفاع به ، وسبيل العمل بمقتضاه ، من ذلك كان القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة يصدران من مشكاة واحدة ، مشكاة الوحي الإلهي المعصوم . يقول الله –عز وجل- عن رسوله-e- : }وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى {(النجم :3-4)
ومنذ جاءت الرسالة الخاتمة وأعداء الله لها بالمرصاد . وقد اتخذت العداوة لله ورسوله ولدينه صورا مختلفة ، وتلبست أشكالاً عديدة . ونحن نستطيع أن نجمل هذه الصور والأشكال في نوعين اثنين . الأول ؛ أعداء للإسلام أعلنوا عداءهم في وضوح ، ونابذوا المسلمين في جلاء .من أمثال الصليبيين والشيوعيين والعلمانيين وأصناف الملاحدة بعامة ، الذين أعلنوا عن إلحادهم، وهؤلاء ضررهم قليل ، وخطرهم معروف ، لأن عداءهم معلن ، وكفرهم سافر ، فالمسلمون منهم على حذر ، ومن كيدهم ومكرهم على ترقب وتوجس . أما النوع الثاني ؛ فهم المنافقون الذين يظهرون غير ما يبطنون ، يتدثرون بعباءة الإسلام ، ويصطنعون الحرص عليه ، والدعوة إليه والعمل على وحدة الأمة ، وبينما يعلنون ذلك يسعون إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة من القضاء على الإسلام عن طريق التشكيك في مصادره الموحى بها من عند الله –عز وجل –وبخاصة السنة النبوية المطهرة . وذلك بإثارة الشبهات ضد سنة رسول الله -e-، والزعم بأنها ليست من الدين ، ولاصلة لها بالتشريع الإسلامي، ويزعمون أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية .
وهذه الدعوى قديمة ، والعداء لرسول الله -e- ولسنته موروث . لكن الجديد هو هذه الفئة من أعداء الله ورسوله والمسلمين ، منكري سنة رسول الله -e-التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين الميلادي في بلاد الهند ، ثم انتقلت إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند ، وما تزال . وأعجب أمر هؤلاء أنهم يُنْسَبون إلى القرآن المجيد ، فهم يحبون أن يسموا أنفسهم "القرآنيون " نسبة إلى القرآن كتاب الله المجيد ظلماً وزورا . وقد اختاروا هذه النسبة إيهاماً للناس بأنهم ملتزمون بكتاب الله القرآن . هذا من جانب ومن جانب آخر يشيرون من طرف خفي إلى أن غيرهم من المسلمين الذين يؤمنون بسنة رسول الله -e- ويعملون بها ليسوا قرآنيين ، وأنهم اشتغلوا بالسنة وتركوا القرآن ،-وأيضاً- حتى يجنبوا أنفسهم المؤاخذة ، ويقطعوا سبل الاعتراض عليهم ، لأنه من ذا الذي يعترض على طائفة أعلنت أنها تنتسب إلى القرآن وتتمسك به ؟.
وليس من المستغرب وجود مثل هذه الطائفة ، فأعداء الإسلام كُثُر ، ومنكرو السنة مضت بهم القرون جيلاً بعد جيل ، وقد أخبر عنهم رسول الله -e-فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله -e- قال (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا وإن ماحرم رسول الله مثل ماحرم الله )( ) لكن الغريب من هؤلاء هي تلك الشبهات التي أثاروها ضد سنة رسول الله -e- ، والتي يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست من الدين ، ولا الدين منها وقد ملأوا بها مؤلفاتهم –وهي في جملتها أوردية-. وندواتهم ومناظراتهم مع الآخرين .. وقد كان لنا حظ من تلك المناظرات على مدى ثلاث جلسات بيننا وبين "البرويزيين" بمدينة"كراتشي "في عام 1983م . وذلك أثناء عملي أستاذاً بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد بباكستان ..
وشبهاتهم هذه المزعومة هي محل الغاية في هذا البحث الموجز الذي عقدناه لمناقشة هذه الشبهات والرد عليها .
نسأل الله –سبحانه- التوفيق والسداد والمعونة والاحتساب ، إنه –سبحانه- ولي ذلك والقادر عيه .
__________________
المبحث الأول التعريف بالسنة النبوية

أولاً : السنة في اللغة، هي : الطريقة، وهي السيرة حميدة كانت أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "( ).. وسنة الله - تعالى - في خلقه : حكمه - سبحانه - في خلقه، وما عودهم عليه( ). وذلك كقولهم : سنة الله في خلقه أن يمهل العاصي لعلّه يتوب ويرجع.
ثانياً : السنة في الاصطلاح : يختلف معنى السنة في الاصطلاح حسب تخصص المصطلحين وأهدافهم واهتماماتهم. فهناك المحدِّثون، وهناك الأصوليون، وهناك الفقهاء.
أما علماء الحديث أو المحدِّثون فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإمام الهادي، النبي الرسول، الذي أخبرنا ربنا - سبحانه وتعالى - أنه أسوتنا وقدوتنا، ومن ثم فقد نقلوا كل ما يتصل به - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكما شرعياً أم لم يثبت. كما نقلوا عنه - عليه الصلاة والسلام - أخباره وشمائله وقصصه وصفاته خَلْقاً وخُلُقاً. وهذا ما التأمت عليه كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين. ومن هنا فقد عرفوا السنة بأنها : " كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها ".
وأما علماء الأصول، فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشرع الذي يضع القواعد، ويوضح الطريق أمام المجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فاهتموا من السنة بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته التي تستقي منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب والحرمة والإباحة، وغير ذلك .. ولذلك عرفوا السنة بأنها : ((ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير ". مثال القول ؛ قوله – عليه الصلاة والسلام : - ( إنما الأعمال بالنيات ) ( ). ومثال الفعل، ما نقل إلينا من فعله – صلى الله عليه وسلم – في الصلوات من وقتها وهيئتها. ومناسك الحج وغير ذلك. ومثال التقرير ؛ إقراره - عليه الصلاة والسلام - لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حيث قال لهم : ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ) ( )، ففهم بعضهم النهي على ظاهره فأخَّر الصلاة فلم يصلِّها حتى فات وقتها، وفهم بعضهم أن المقصود حث الصحابة على الإسراع، فصلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة. وبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعل الفريقان فأقرهما جميعا( ).
وأما علماء الفقه فيبحثون في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا تخرج أقواله وأفعاله عن الدلالة على حكم من الأحكام الشرعية. ومن هنا كانت السنة عندهم هي : " ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمراً غير جازم". أو " ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير افتراض ولا وجوب". أو " ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب ". وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء .. وقد تطلق السنة عندهم على ما يقابل البدعة، فيقال : فلان على سنة إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال : فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك. ويطلق لفظ السنة عندهم - كذلك - على ما عمل عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وجد ذلك في القرآن المجيد أو لم يوجد، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم. لقوله - صلى الله عليه وسلم : - " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"( )( ).
هذه معاني السنة، أو تعريفاتها والمراد بها في مصطلح العلماء، وقد تبين لنا أن علماء كل فن أو علم من العلوم لهم اهتمام وعمل في السنة يتناسب مع اهتمامهم، ويحقق ما يهدفون إليه في علومهم، دون أن تتعارض هذه العلوم، فالحق أنها كلها في خدمة السنة النبوية وتيسير التعرف عليها والعمل بها، ومن أشرف أهداف القائمين على هذه العلوم هو جمع السنة النبوية وتمحيصها، وتنقيتها مما قد يكون دخيلاً عليها، ثم الدفاع عنها ضد الشاغبين عليها، المعارضين لها، الساعين إلى طرحها والاقتصار في التشريع الإسلامي على مصدر واحد هو القرآن العظيم.
وإذا كنا قد أشرنا إلى عدد من تعريفات العلماء للسنة النبوية الشريفة، فإن التعريف الذي يتوافق مع بحثنا هذا إنما هو تعريف الأصوليين تحديداً، لأنهم الذين يعنون - بالدرجة الأولى - ببيان حجية السنة، ومكانتها من التشريع، وسوق الأدلة على ذلك. وإن كان المحدثون والفقهاء لم يحرموا أجر البحث في هذه الجوانب، ولم يقصروا في بذل المجهود في سبيلها.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:13 AM
المبحث الثاني
مكانة السنة النبوية من التشريع وأدلة حجيتها

أولاً : مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع
إن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاد لله ولرسوله وللمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى.
ذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل الله - سبحانه - نوعان : الأول : هو القرآن العظيم، كلام الله سبحانه - المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بلفظه ومعناه، غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المعجز للخلق، المتحدي بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله - تعالى - أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف .. أما النوع الثاني من الوحي : فهو السنة النبوية المطهرة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - هي من وحي الله - عز وجل - إلى رسوله- صلى الله عليه وسلم - باتفاق الأمة المسلمة، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله - تعالى - على ذلك في آيات كثيرة، ثم لما صرحت به السنة النبوية، ثم لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين - بحول الله تعالى.
وإذا كان الشاغبون على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزعمون أنهم يستمسكون بالقرآن المجيد مكتفين به عن السنة ؛ فلنذكر بعض ما جاء به القرآن الكريم من الآيات البينات التي تشهد وتصرح بأن السنة وحي من عند الله - سبحانه- إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم الآيات التي تصرح بوجوب طاعته- صلى الله عليه وسلم - ووجوب حبه، ووجوب اتباعه، ووجوب الاحتكام إليه والتسليم له في كل ما يحكم به، لنا كان الحكم أو علينا، إلى غير ذلك.
فمن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي قول الله - عز وجل -:] وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى [ (النجم : 3 - 4) وهذه الآية نص قاطع في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأتي بشيء من عنده، وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحيٌ من عند الله - تعالى -، سواء كان وحياً من النوع الأول وهو القرآن، أو من النوع الثاني وهو السنة النبوية.
ومن ذلك - أيضاً - قوله - تبارك وتعالى - ] لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ (آل عمران: 164). وهذه الآية الكريمة لعلها استجابة من الله- تعالى - للدعاء الذي توجه به إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - إليه - تعالى - حين كانا يرفعان القواعد من البيت.
وهذا الدعاء ذكره الله في القرآن الكريم في قوله - سبحانه وتعالى : ] وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم[( البقرة: 127 - 129). فهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل - على نبينا وعليهما الصلاة والسلام - لقي القبول عند الله - سبحانه - فكان من قدره - عز وجل - أن جعل من ذريتهما تلك الأمة المسلمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، ثم بعث فيها رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
وقد ذهب أهل العلم والتحقيق إلى أن المراد بالحكمة إنما هو : السنّة النبوية، فإن الله - تعالى - قد مَنَّ على المؤمنين بإرسال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي جعل رأس رسالته أن يعلم أمته المؤمنة شيئين : الكتاب والحكمة. ولا يجوز أن تكون الحكمة هي الكتاب، فإنها معطوفة عليه، والعطف يقتضي المغايرة، ولا يجوز أن تكون شيئاً آخر غير السنة، فإنها عطفت على الكتاب، فهي من جنسه في المصدر والغاية. وقد منَّ الله - تعالى - بهما على المؤمنين، ولا يمنّ الله - تعالى - إلا بما هو حق وصدق، فالحكمة حق كما أن القرآن حق. وهذه الآية واضحة الدلالة على أن السنة من وحي الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
يقول الشافعي - رحمه الله تعالى : " فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت مَن أرضى مِن أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يشبه ما قال - والله أعلم - لأن القرآن ذُكر، وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكر الله منَّه على الخلق بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة هنا إلا سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنها مقرونة بالكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم .... "( ).
ومن الآيات التي تقطع بأن السنة وحي من عند الله - تعالى - وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق فيما يتصل بالتشريع إلا بما يوحي الله - تعالى - إليه، قوله - سبحانه - في شأن رسوله - صلى الله عليه وسلم: ] ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين[ (الحاقة:44-47 ).
فهذه الآيات تدل بوضوح شديد على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقول شيئاً - فيما يتصل بالدين - إلا بما يوحي إليه الله به - وكذلك لا يفعل، فإن القول أعم من الفعل ودليله - ولو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال شيئاً في الدين لم يوح الله - تعالى - به إليه، لأهلكه الله - تعالى - وما من أحد بقادر على أن يمنع الله - سبحانه - من إهلاكه آنئذ، وهذا وعيد من الله - تعالى - ووعد، وعيد لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتقول عليه ما لم يوح به إليه - وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك - ووعد للمؤمنين بأنه - تعالى - حافظٌ دينَه من أن يدخل إليه أو يختلط به ما ليس منه على لسان نبيه، وهذه الآيات تعد - في الوقت ذاته - أمراً من الله - تعالى - جازماً لأمته أن يؤمنوا ويوقنوا ويسلموا لكل ما يأتيهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث إن الله - عز وجل- ضمن لهم أن نبيه لن يتقول عليهم، وأن كل ما ينطق به النبي قولاً، أو يأتيه فعلاً. إنما هو من وحي الله - تعالى - إليه .. يقول العلماء : لقد أخبر الله - عز وجل - بأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - لو تقول في الدين قولاً لم يوح - الله تعالى - به إليه لأهلكه الله - سبحانه - وحيث إن الله - تعالى - لم يهلك نبيه، فلم يأخذ منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين - نياط القلب - بل سانده وأعانه، وأيده ونصره، وأظهره على أعدائه هو وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه، فإن ذلك دليل قاطع على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل أو يفعل أو يقر شيئاً إلا بوحي من الله - سبحانه وتعالى-( ).
ومن الآيات التي تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقول أو يفعل شيئاً في الدين إلا بوحي من عند الله - عز وجل - قول الله - سبحانه - مخبراً عن رسوله-صلى الله عليه وسلم-:]الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم { (الأعراف:157 ).
فالآية أسندت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحلال الحلال، وتحريم الحرام إليه- صلى الله عليه وسلم - مباشرة دون أن تقيد ذلك بكونه قرآناً أو سنة، والإطلاق العام هنا يشمل جميع ما يحله ويحرمه - صلى الله عليه وسلم - أعم من أن يكون ذلك بالقرآن أو بالسنة، فبان من ذلك أن ما يحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وما يحرم بسنته هو مثل ما يحرم بقرآن الله - تعالى - كلاهما وحي من عند الله - سبحانه -.
ومن الآيات التي تدل على أن السنة وحي من عند الله - سبحانه - وتنص على أن ما يحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنته مثل ما يحرم بالكتاب المجيد، كلاهما من عند الله - تعالى - قول الله - عز وجل - : ] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ (التوبة:29 ). فهذه الآية الكريمة ذكرت نوعين من المحرمات، ما حرم الله - تعالى- وما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمعت بين الأمرين في جملة واحدة عاطفة ما حرم رسول الله على ما حرم الله، وذلك يدل بوضوح على أمرين، الأول : أن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو مثل ما حرم الله، وأن الأمرين على منزلة واحدة من حجية التشريع وحكمه، وأن ما شرع الله - تعالى - في كتابه هو مثل ما شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سنته.. الثاني : أن ما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته هو وحي من عند الله - تعالى - كمثل ما حرم الله - تعالى - في كتابه، فكلا التشريعين وحي من عند الله - سبحانه -.
ولعل ما ذكرناه كاف في بيان ما قصدنا إليه من الاستدلال بآيات القرآن المجيد على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - كما أن القرآن وحي، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى. ومن ثم ننتقل إلى ما يترتب على أن السنة وحي من عند لله -تعالى-، نقصد الآيات القرآنية التي توجب وتأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجعل طاعته - صلى الله عليه وسلم - فيما يأمر وما ينهى فيصلا بين الإيمان والكفر، والنجاة والهلاك. قد قلنا إن ذلك مرتب على ما سبق بيانه في الفقرة السابقة من أن السنة وحي من عند الله - تعالى - إذ لو لم تكن كذلك، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينطق عن الهوى - حاشاه - لما أمرنا الله - تعالى - باتباعه وطاعته في كل ما يأمر وما ينهي، كما سيبين لنا من الآيات الدالة على ذلك - بحول الله تعالى -. وإن الناظر في كتاب الله المجيد يراه قد أمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آيات كثيرة وبصيغ متنوعة عديدة.
من هذه الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هو قاعدة عامة في رسل الله أجمعين، وخاتمهم محمد - صلوات الله على نبينا وعليهم - وذلك قول الله - عز وجل : ] وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله [ (النساء:64 ).
فثمرة إرسال الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين - إنما تنحصر في أن يطاعوا، وطاعتهم إنما هي بإذن الله سبحانه - وأمره، فالشاغب عليهم، التارك لسنتهم، الرافض لأوامرهم ونواهيهم، إنما هو محارب لله - سبحانه - ناقض لإذنه، فاسق عن أمره.
__________________
ومن ذلك ما هو قاعدة لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - شاملة لكل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر ومـا ينهى.
وذلك قـول الله – عز وجل - ]وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ (الحشر:7 ).
فهذه الآية تأمر المؤمنين بأن يأخذوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ما يأتيهم به، يستوي في ذلك ما كان قرآناً أو سنة، وكذلك أن ينتهوا عن كل ما نهاهم عنه، ثم توعدت المخالفين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقاب الشديد.
ومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء فيها الأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقروناً بطاعة الله - سبحانه - مع تكرار فعل " أطيعوا ". ومن ذلك قول الله - عز وجل : ]يـا أيـها الذين آمـنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم [ (محمد:33).
ومن ذلك ما جاء فيه الأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقروناً بطاعة الله - تعالى - دون تكرار الفعل " أطيعوا " مما يدل بشكل قاطع على أن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي من طاعة الله - سبحانه -، وأنه لا يحل التفريق بين طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك قول الله - سبحانه : ] قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولـوا فإن الله لا يحـب الكافرين[ (آل عمران:32 ). وواضح من النص الكريم أن الذي يتولى عن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو من الكافرين.
ومن الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء فيه الأمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابتداء، دون أن يسبقه الأمر بطاعة الله - سبحانه -، وذلك يبين أن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي في الوقت نفسه طاعة لله - تعالى - وأن طاعة الرسول وحدها مقياس لطاعة الله - عز وجل - ومن ذلك قول الله -تبارك وتعال-: ]وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون [(النور:56 ).
ومن علامات طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعه الأخذ عنه، والاحتكام إليه، وتحكيمه في كل ما يعرض لنا من شؤون الحياة، ثم الرضا بما يحكم به، والإذعان والتسليم له - صلى الله عليه وسلم - وقد جعل الله - سبحانه - ذلك من علامات الإيمان، وجعل نفي ذلك وعدم الاتصاف به من علامات الخلو من الإيمان، أي علامات الكفر، يقول الله - عز وجل : ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما [ ( النساء:65).
ولأن الاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرضا والإذعان والتسليم له بكل ما يأمر به أو ينهى من علامات الإيمان ؛ فقد كان رفض ذلك والإعراض عنه من علامات النفاق والكفر، مهما قال أولئك المعرضون أو زعموا أنهم مؤمنون. يقول الله – عز وجل – حكاية عن بعض هؤلاء : ] ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحــون. ومــن يطـع الله ورسولــه ويخش الله ويتقــه فأولئـــــك هم الفائزون [ (النور:47-52 ). فهذه الآيات الكريمة تتكلم على موقف المنافقين من الاحتكام إلى الله ورسوله، وتكشف عن زيف ما يزعمون من الإيمان بالله ورسوله، وأن ذلك نفاق وكفر، وتبين عن دليل ذلك وهو الإعراض عن الاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرضا بحكمه، ثم تكشف عن دخائل نفوسهم من عدم الإيمان بالله والاطمئنان إلى حكم رسوله، ثم تبين - بالمقابل - موقف المؤمنين وهو السمع والطاعة لله ورسوله، ثم تختم المقام بأن الفوز والنجاة إنما هما لمن يطيع الله ورسوله.
من كل هذا الذي ذكرنا من الآيات القرآنية التي تنص بأسلوب قاطع على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق إلا عن وحي من الله - تعالى - ولا يقول في الدين إلا بما يوحي به الله - تعالى - إليه. وبأن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض على كل مؤمن، وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وبأن الاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والرضا والتسليم له، والأخذ عنه آية الإيمان. نقول : من كل هذا تتضح مكانة السنة النبوية من التشريع الإسلامي، وتتضح حجيتها، وأنها من حيث الحجية هي في منزلة القرآن المجيد، ولا ينبغي أن يفهم من هذا أننا نجعل السنة بمنزلة القرآن في المكانة والشرف، فهذا مما لا يقول به مسلم، فلا ريب أن القرآن يفضل السنة بأمور اتفقت عليها الأمة نشير إلى أهمها - بإيجاز : -
1- القرآن الكريم موحى به من الله - عز وجل - بلفظه ومعناه، فهو قول الله- سبحانه - أما السنة فهي قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره.
2- القرآن المجيد تكفل الله - تعالى - بحفظه، وليس ذلك للسنة.
3- القرآن العظيم يتعبد بتلاوته، وليس ذلك للسنة.
4- القرآن العظيم معجز للبشر، وترتب على ذلك أن الله - تعالى - تحدى البشر، بل والجن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، والسنة ليست كذلك.
5- لا تجوز روايته بالمعنى، ويجوز ذلك في السنة بضوابطه.
6- لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون، وليس ذلك للسنة.
7- القرآن هو المجموع بين دفتي المصحف الشريف، والسنة موزعة في كتب ودواوين.
فهذه أمور يفضل القرآن فيها السنة، فهو لذلك أشرف منها وأرفع منزلة وقداسة، لكن كلامنا في مجال الاحتجاج بالسنة في أمور الدين وقضايا التشريع، ولا ريب أنها في هذا في منزلة مع القرآن، فكما يقال : الصلاة واجبة بقول الله - عز وجل - : ] وأقيموا الصلاة [ ( النور:56). فكذلك يقال صلاة الصبح ركعتان والظهر والعصر أربع والمغرب ثلاث والعشاء أربع. والدليل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمثال هنا يوضح أن كلا الدليلين على مستوًى واحد في إفادة العلم وإيجاب العمل.
ولهذا المعنى فقد ذهب جلّة العلماء إلى التسوية بين كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من حيث الحجية على الأحكام، ومن ذلك أن الخطيب البغدادي قد عنون في كتابه " الكفاية " لهذا الموضوع بقوله : ( ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يشير بهذا العنوان إلى أن القرآن والسنة متساويان في مرتبة واحدة من حيث الحجية في إثبات الأحكام الشرعية. وقد قال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في كتابه " حجية السنة " إن السنة والكتاب في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعية، ولبيان ذلك نقول : من المعلوم أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها في أن لفظه منزل من عند الله - سبحانه وتعالى - متعبد بتلاوته، معجر للبشر أن يأتوا بمثله، بخلافها، فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي، لكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما في الحجية، بأن تكون مرتبة السنة متأخرة عن الكتاب، ويعمل به وحده، وإنما كان الأمر كذلك - أي مماثلة السنة للكتاب في مرتبة الحجية - لأن حجية الكتاب إنما جاءت من كونه وحياً من عند الله - سبحانه -، والسنة مساوية للقرآن من هذه الناحية فهي مثله "( ).
مما تقدم من حديث عن حجية السنة ومكانتها من التشريع تتضح لنا الأمور الآتية :
أولاً : أن الوحي من عند الله - تعالى - إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحيان؛ وحي هو القرآن المجيد، ووحي هو السنة النبوية الشريفة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من آيات القرآن البينات، كما بينا الفروق بين الوحيين، أي بين القرآن والسنة.
ثانياً : أن السنة النبوية المطهرة تأتي في المنزلة الثانية بعد القرآن العظيم في مصدرية التشريع، فهي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم. أما من حيث الحجية فهي مع القرآن بمنزلة واحدة. بمعنى أن دليل التشريع من السنة يعدل دليل التشريع من القرآن، فكلاهما مفيد للعلم، موجب للعمل بمقتضاه، على أي نوع من الأحكام الخمسة كان العمل.
ثالثاً : أن من رفض سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو شغب عليها، أو رفض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو نهيه، أو رفض الاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يعرض له أو لم يقبل حكمه، كل من يفعل ذلك أو شيئاً منه يُعَدُّ فاسقاً عن الملة غير مؤمن، فإن الله - تعالى - قد جعل كل ذلك علامة الإيمان، ورفض ذلك أو شيء منه، آية الكفر والنفاق، وذلك في آياته البينات.
رابعاً : لقد اعتمدنا في بيان ما قدمنا على كتاب الله القرآن المجيد وحده، ولم نتكلم في السنة المطهرة أو آثار الصحابة وإجماع الأمة، ذلك أن هؤلاء الذين نخاطبهم في بحثنا هذا يزعمون أنهم " قرآنيون " لا يأخذون إلا عن القرآن، فآثرنا أن نخاطبهم بالقرآن الكريم.. لكنا - بحول الله - سبحانه - سوف نوفي الموضوع حقه من خلال أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة وإجماع الأمة، حين الرد على شبهاتهم، وذلك بمشيئة الله سبحانه.
__________________
المبحث الثالث
الجذور التاريخية لمنكري السنة وأشهر طوائفهم

إن تاريخ منكري سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكاد يقرن بتاريخ منكري رسالته - صلى الله عليه وسلم -، فالكفر بسنته - عليه الصلاة والسلام - هو قرين الكفر برسالته - فهما أمران متقاربان زماناً متساوقان منزلة، ويكادان يكونان متماثلين حكماً، ولا يختلفان إلا باعتبار أن ثمة كفراً دون كفر، وإلا فإنكار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجحدها كفر، كما أن إنكار رسالته كفر ..
ومن المسلم به أنه لم يخل زمان من الأمرين جميعاً كذلك، فكما أنه لم يخل زمان من منكري رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكذلك لم يخل زمان من منكري سنته - صلى الله عليه وسلم - مع زعمهم بأنهم مسلمون مؤمنون برسالته، والأخيرة هذه هي مثار العجب، إذ كيف يكونون مؤمنين برسالته - صلى الله عليه وسلم - ثم ينكرون سنته، ويرفضون اتباعه، ويصرون على عدم الأخذ عنه، والاحتكام إليه، والتسليم له ويقبلون على مخالفته في كل ما قال وفعل وأقر، فيقولون ما لم يقل، ويفعلون ما لم يفعل، ويرفضون ما أقره ورضي به.
ولقد بدأت مسيرة إنكار السنة والشغب عليها على هيئة فردية في حالات نادرة لا اعتبار بها. وكان ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك ما روى أصحاب السنن في أسباب نزول الآية الكريمة : ]فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيمــا شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ ( النساء:65).
من أن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - اختصم ورجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعله حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير أن يسقي زرعه أولاً، ثم يرسل الماء إلى صاحبه، فغضب الرجل وقال : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ؟. أي حكمت له بسبب أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله - تعالى - الآية في ذلك( ).
لكن هذه الحالات شاذة ولا تذكر في معرض التأريخ لمنكري سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأمرين : لشذوذها وندرتها، ثم لعودة أصحابها إلى الحق سريعاً وانقضاء أثرها.
أما إنكار السنة على هيئة مؤثرة، وعلى أيدي طوائف لها ذكرها في التاريخ ؛ فقد بدأت على أيدي الخوارج والشيعة، ثم انضم إليهم طوائف من المتكلمين وبخاصة من المعتزلة الذين انتسب إليهم كثير من الزنادقة والفاسقين عن الملة، كالنظام الذي كان " شاطراً من الشطار، يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس والفواحش، وهو القائل:
وأستبيح دما من غير مجروح والزق مطرَح جسما بلا روح( ) ما زلت آخذ روح الزق في لطفحتى انثنيت ولي روحان في جسـدي
أما الشيعة والخوارج فكلتا الطائفتين شغبت على السنة النبوية المطهرة وأنكرتها، لكن الشيعة لم يقبلوا من سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا القليل الذي نُقل إليهم عن طريق من يدين بعقيدتهم في الإمامة ويشايع آل البيت – فيما يزعمون – ولو أننا عرفنا أنهم لم يوالوا من الصحابة – رضوان الله عليهم – إلا بضعة عشر صحابياً هم فقط الذين رضي عنهم الشيعة وأخذوا عنهم، لأدركنا ذلك القدر الضئيل من سنة النبي –صلى الله عليه وسلم-الذي قبله الشيعة (الرافضة) وعملوا به، وذلك الكم الهائل من السنة النبوية التي رفضوها وأنكروها لأنها أتت عن جمهرة الصحابة الذين لا يرضى عنهم الشيعة، فالشيعة – إذن – رفضوا السنة لأنهم طعنوا في عدالة الصحابة – رضوان الله عليهم – لأنهم بايعوا أبا بكر – رضي الله عنه – خليفة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يبايعوا عليا الذي كان هو الخليفة من وجهة أنظار الشيعة، والشيعة منهم معتدل وغال، فالمعتدلون فسقوا الصحابة – رضي الله عنهم – والغالون كفروهم – عياذاً بالله – ولم يستثن الشيعة من ذلك سوى عدد يزيد قليلاً على أصابع اليدين .. على أن الشيعة (الرافضة) أضافوا إلى إنكارهم السنة - على الوضع الذي ذكرناه - إضافة جديدة جعل جرمهم في هذا الباب مضاعفاً، ذلك أنهم لم يكتفوا بإنكار الحديث ورفض السنة، وإنما لجأوا إلى وَضع ما أسموه أحاديث، ونسبوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فألَّفوا كلاماً على هيئة أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعظيم أئمتهم، وتأكيد نحلتهم، وتأصيل معتقدهم، وأيضاً في ذم مخالفيهم وعقائدهم. وقد كان لهذه الأحاديث المزعومة الموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دور أصيل في حجية التشريع وأصول الدين عندهم.
أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة - رضوان الله عليهم - بعد واقعة التحكيم الشهيرة أثناء الحرب بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - وبسبب واقعة التحكيم طعن الخوارج في عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - فمن الخوارج مَنْ فَسَّقهم، وهم قلة لا تذكر، والأكثرون من طوائف الخوارج كفروا الصحابة - عياذاً بالله - بل منهم من جعلهم كالمشركين في الحرب والسبي وعدم قبول الجزية .. إلى آخر تلك الآراء التي تدل على انحراف حاد عن جادة الإسلام، وقد دفع بهم إنكار السنة والرغبة الملحة عندهم في مخالفة جماعة المسلمين إلى العدوة القصوى بعيداً عن الإسلام، فافتروا على الله ورسوله وجماعة المسلمين، وتباروا في تكفير الأمة بأنواع من الكفر ؛ فجمهرتهم يرون أن دار مخالفيهم دار حرب، يقتل فيها النساء والأطفال وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
أما في الأحكام فقد أنكروا الرجم في الزاني المحصن لأنه ليس في القرآن، وأقاموا حد السرقة ولم يلتزموا ما ورد في السنة وإجماع الأمة بالحرز في السرقة ونصابها وكذلك قطع اليد من الرسغ، كما استحلوا كفر الأمانة التي أمر الله – تعالى – بأدائها وزعموا أن المسلمين مشركون يحل أكل أماناتهم، وأجاز فريق منهم - الميمونية - نكاح بنت البنت، وبنت الابن، لأن القرآن لم يذكرهن ضمن المحرمات ... إلى غير ذلك من أنواع الضلال والزيغ الذي وقعوا فيه في أصول الدين، وفي أحكام الشريعة بسبب أنهم رفضوا السنة النبوية المطهرة، وزعموا أنهم يأخذون أحكامهم وقضايا دينهم عن القرآن، وما علموا أنهم نابذوا القرآن ونبذوه يوم نبذوا السنة واتخذوها ظهرياً، يقول عبد القاهر البغدادي عن الخوارج إنهم : " أنكروا حجية الإجماع والسنن الشرعية، وأنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، ولذلك أنكروا الرجم والمسح على الخفين لأنهما ليسا في القرآن، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير لأن الأمر بالقطع في القرآن مطلق، ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه "( ).
فهؤلاء وأولئك - الخوارج والشيعة - رفضوا - سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعنهم في الصحابة - رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين - ومن المعلوم أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما وصلت إلينا من خلال الصحابة - رضوان الله عليهم - بل إن الدين كله وصل إلينا من خلالهم، فهم الطبقة المعاصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمانا، المطلعة على أحواله قولاً وفعلاً، الحريصة على أن تحفظ عنه كل حركة وسكنة، وأن تنقل عنه كل لفظة وسكتة، الأمينة في وصف أحواله - صلى الله عليه وسلم - صغيرها وكبيرها، والصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا إلينا أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم – كافة لم يخرموا منها شيئاً، حتى صرنا بفضلهم - جزاهم الله عن الأمة خيرا- كأننا نعايشه في أحواله - صلى الله عليه وسلم – كافة، ونعاين هيئاته كافة، فهم -رضوان الله عليهم- هم الذين نقلوا إلينا الدين كاملاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي تلقاه عن ربه وحيا في القرآن أو في السنة، فإذا جاء من الطوائف والفرق من يرفض الأخذ عنهم مستنداً إلى ما يزعمه من أنهم ليسوا عدولاً ؛ فعن من يأخذ دينه، وأنى له أن يعرف شرائع الإسلام ؟ ومن أين سيأخذ أحكام الدين في الصلاة وهيئاتها، والزكاة ومقاديرها، والصيام وأحكامه، والحج ومناسكه، ثم من أين له أن يعرف ما يحل وما يحرم، وما يأخذ أو يدع في شؤون الحياة جميعها، ثم أين نجد كل هذا في القرآن المجيد ؟ وأين يجده هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكتفون بالقرآن وحده دون السنة النبوية المشرفة ؟
إن رفضهم السنة النبوية كان له الأثر الذي أشرنا إلى بعضه من خروجهم على الدين وابتداعهم فيه ما ليس منه، واعتناقهم عقائد، ومزاولتهم شرائع لا تمت إلى الإسلام، بل تناقض الإسلام وتعارضه، وقد انتهى بهم الأمر إلى أن نقضوا عرى الإسلام ، وكفروا الأمة المسلمة، وما كفرت الأمة ولكن الظالمين كفروا، يهدمون الدين بحجة الحرص عليه، ويكفرون بالقرآن وهم يزعمون الاستمساك به والاعتماد عليه، فأين منهم آياته البينات التي تأمر بطاعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والأخذ عنه والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه ؟ بل أين منهم آياته البينات التي تنص على أنه – صلى الله عليه وسلم – لا ينطق عن الهوى، وأن سنته وحي من عند الله – تعالى – وأين من هؤلاء الذين يخالفون عن أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله تعالى – محذراً إياهم ومن على شاكلتهم : ] فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ ( النور:64).
هكذا بدأت مسيرة إنكار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشغب عليها ورفض اعتبارها مصدراً تشريعياً كالقرآن، والخروج على طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأت مسيرة الضلال هذه على أيدي الخوارج والشيعة (الرافضة)، ثم تلقفها منهم وسار على ضلالهم طوائف من المتكلمين وأشهرهم في هذا الباب المعتزلة، ثم استمرت مسيرة الضلال يسلمها ضال إلى ضال، ويأخذها ضال عن ضال، وقد افترقوا في ضلالهم إلى مذاهب وطوائف، فطائفة تنكر السنة النبوية المطهرة بجملتها، ما كان منها قولاً، وما كان عملاً، وما كان تقريراً، ويعدون أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله مثل أقوال الناس وأفعالهم لا صلة لها بالدين من قريب أو من بعيد.
وطائفة تأخذ من السنة بما كان عملاً وتطرح ما كان قولاً، دون تمييز أو سند من شرع أو عقل يسوغ هذه التفرقة، فإن صاحب العمل هو نفسه صاحب القول - صلى الله عليه وسلم-. وطائفة ثالثة هي أقل الطوائف جرماً في هذا الباب، ولكنها أعمها وأطمها وأكثرها عدداً، وما ذهبت إليه أعظم شيوعاً وذيوعاً، ذلكم الذين يقولون لا نأخذ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما تواتر قولاً وعملاً، أما خبر الواحد فلا يأخذون به ولا يعتبرونه، ومن هؤلاء من يرفضه جملة، ومنهم من يرفضه في العقائد.
وقد ظلت مسيرة الضلال هذه تنتقل عبر التاريخ بطوائفها المختلفة وعلى مستوى الأمة المسلمة شرقاً وغرباً، حتى كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث نبتت نابتة سوء بين المسلمين في بلاد الهند، وذلك بنشأة ما سمي بطائفة " القرآنيون " تلك الطائفة التي زعمت الاعتماد على القرآن وحده، وطرح السنة النبوية المطهرة، وأخذت تدعو إلى نحلتها بهمة ونشاط تحت رعاية الاستعمار الإنجليزي، ثم انتقلت من الهند إلى باكستان - بعد التقسيم - تحت مسمى " البرويزيين "
وهذه الطائفة هي موضوع بحثنا هذا، وسوف نبين بشيء من التفصيل تاريخ نشأتهم وأهم رؤسائهم على الصفحات التالية - بحول الله تعالى -.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:14 AM
المبحث الرابع
التعريف بطائفة القرآنيين، وعوامل نشأتهم

وضع الإنجليز أيديهم على شبه القارة الهندية، ودانت لهم طوائفها وفرقها من الهندوس والبوذيين والجينيين وغيرهم ممن يدينون بغير الإسلام. أما المسلمون الذين كانوا يمثلون قلة في الهند فلم يسلس قيادهم للإنجليز المستعمرين، ولم يهادنوهم يوماً، وذلك انطلاقاً من الإسلام الذي يمنع المسلم من الخضوع والإذعان لحاكم غير مسلم يلي أمر المسلمين بالقوة والجبروت. لذلك كان المسلمون بالهند يمثلون للإنجليز المستعمرين قلقاً وإزعاجاً بل يمثلون خطورة على سلطتهم وبقائهم في تلك البلاد، وكان المسلمون لا يفتأون يلبون داعي الجهاد ضد الإنجليز، ويقومون بالثورات العديدة التي كان أشهرها ثورة مايو من عام سبعة وخمسين وثمانمائة وألف للميلاد.
وقد كان الإنجليز بالمقابل يمقتون المسلمين فوق مقتهم الطوائف الأخرى، وقد كانوا يدبرون المؤامرات والمكايد ضد الإسلام والمسلمين في تلك البقاع، ورغم خطط ومؤامرات الإنجليز الكثيرة ضد المسلمين، إلا أنهم تميزوا بخطة معينة أحكموها وبرعوا فيها، وقد حققت لهم أغراضهم وأهدافهم من تفريق صفوف المسلمين، وإضعاف شوكتهم، وبث النزاع بين طوائفهم. وكانت خطتهم تلك تقوم على أن يستقطبوا أشخاصاً من المسلمين، يرون فيهم قبولاً لبيع دينهم وأمتهم مقابل السلطة والمال، فيجندونهم للعمل ضد الإسلام والمسلمين، وكانت خطتهم التي يرسمونها لعملائهم واحدة، حيث يبدأ هؤلاء العملاء بالتظاهر بالإسلام، والحرص عليه، والدعوة إليه، والكتابة فيه، حتى إذ اشتهر أمرهم، والتف الناس حولهم. بدؤوا ينفذون خطة الإنجليز، التي رسموها لهم، وبدؤوا ببذر بذور الشك في عقيدة الإسلام، ثم في شريعته، ثم - وتحت دعواهم الحرص على الإسلام - يبثون سمومهم، فمنهم من يدعي النبوة مثل : " ميرزا غلام أحمد القادياني " - لعنه الله -، ومنهم من يدعي حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخلع على النبي - بهذه الحجة - بعض صفات الله سبحانه، وذلك مثل " أحمد رضا خان " ومنهم من يدعي أنه مجدد القرن مثل : " أحمد خان " الذي أخلص للإنجليز إلى حد أن باع دينه، وضحى بأمته في مقابل ولائه المطلق للإنجليز..
وفيما يلي سنذكر أهم رجالات القرآنيين في الهند، مع ذكر نبذة عن تاريخ كل منهم، وأهم آرائه.

أولاً : السيد أحمد خان :
وتاريخ منكري السنة في شبه القارة الهندية في العصر الحديث يبدأ بهذا الرجل : " سير أحمد خان " أو " السيد أحمد خان " بل إن تاريخ الكثير من صور الخيانة للإسلام والمسلمين، وابتداع الآراء الشاذة المخالفة لما عليه القرآن والسنة وإجماع الأمة، مما كان سبباً في تفريق الأمة، وتشتيت جهودها ضد الإنجليز أعداء الإسلام، يرجع إلى هذا الرجل " السيد أحمد خان "( ) وبالتالي؛ يرجع إليه حركات ممالأة المستعمر الإنجليزي، ومهادنته، بل معاونته وموالاته، والدعوة إلى السير في ركابه والاغتراف من ثقافته، والتمثل به في الشؤون الحياتية كافة، يرجع كل هذا إلى هذا الرجل الذي قضى حياته في خدمة الإنجليز، والدعوة إلى مسالمتهم ومعاونتهم، وقد اقتدى به الكثيرون في ذلك مما جعل محنة الأمة بهذا الرجل أعم وأطم.
وفيما يتصل بموضوعنا ؛ فقد كان هذا الرجل مكثراً من الكتابة والتأليف، وكان من تأليفه ما أسماه تفسيراً للقرآن وقد نهج في تفسيره نهجا يخالف القرآن نفسه والسنة وإجماع الأمة، ويخالف المنهج العلمي في أبسط صوره. حيث اعتمد في تفسيره القرآن على عقله وهواه الذي يتحكم في عقله، وجاء بسبب ذلك بآراء خالف بها مُسَلَّمات الدين، وعقائده وشرائعه، وبذلك خرج على إجماع الأمة، بل اعتمد في تفسيره أسلوباً خالف فيه أساليب اللغة التي نزل بها القرآن، ولم يعبأ بدلالات الألفاظ، بل أخضع كل ذلك لهواه وأغراضه من إفساد الدين، وإبطال الشرع، ومن ذلك أنه أنكر الغيب ومنه الملائكة والجن والشياطين، وفي سبيل إنكارها تأول الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر الملائكة والجن والشياطين، فأوَّل الملائكة بأنها عناصر الطبيعة وقواها من ريح ومطر وبراكين .. وأوَّل الجن بأنهم سكان الغابات والصحاري والذين يزاولون أنشطتهم في ظلام الليل فلا يراهم أحد، كما أول الشياطين بأن المراد بها شهوات النفس وأهواؤها، وكان اعتماده هذا المنهج الذي يخالف أساليب اللغة العربية ودلالات ألفاظها قائماً على أساس جرم آخر ارتكبه في حق الدين، وهو زعمه أن القرآن العظيم لم ينزل على رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - بألفاظه ومعانيه، بل إنه نزل بالمعنى فقط، بمعنى أن الله - تعالى - قذف بمعاني القرآن في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم صاغها محمد - صلى الله عليه وسلم - في ألفاظ من عنده، وبذلك جعل القرآن مثل السنة، في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ألهم معناه فقط، ثم صاغه هو بألفاظ من عنده .. وهذا - وغيره - مما وقع فيه " أحمد خان " تسبب في ثورة العلماء ضده، وفي رميهم إياه بالكفر، فكان هذا - من جانب آخر - سببا في انفلات أمره، وانطلاقه في غواياته وضلالاته إلى المنتهى الذي وصل إليه.
أما فيما يتعلق بالسنة النبوية ؛ فقد وضع الرجل الأساس للذين أتوا من بعده في إنكار السنة النبوية المطهرة، والشغب عليها، والزعم بأن القرآن كاف، والطعن في أنها من وضع رواتها إلى غير ذلك .. ونستطيع أن نوجز أهم الآراء التي جاء بها الرجل بالنسبة للسنة النبوية المطهرة فيما يلي :
1- أَوَّلَ كل ما جاء فيها عن الجن والملائكة والشياطين، وعن الجنة والنار، بتأويلات أدت إلى إنكارها جملة على ما قد أشرنا إليه عند حديثنا عن تفسيره القرآن الكريم.
2- ادعى أن السنة النبوية لم تدون لأمد طويل، ظلت ذلك الأمد حبيسة الصدور، مما هيأ الأمر للزيادة عليها والنقص منها وتغيير محتواها، ووضع الكثير منها، ونسبة الكل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفقد الثقة في جميعها، وجعل الشك يشملها كلها.
3- بناء على الأمر السابق ؛ فقد جعل الرجل كل ما وردت به السنة النبوية المطهرة من أوامر ونواه، وأخبار وأحكام، جعل كل ذلك أموراً استنباطية من علماء الحديث وشراح السنة وفقهاء المذاهب، ومن ثم لا يلزم المسلم الأخذ بها، أو الالتزام بما فيها، وذلك لأمرين ؛ الأول : الشك في نسبة الأحاديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطول الفترة التي تركت فيها بلا تدوين - كما بينا قبلا -، والثاني : لاحتمال ألا يكون العلماء قد فهموا مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الأحاديث، فيكونون قد بنوا أحكامهم على فهم خاطئ فجاءت الأحكام خاطئة.
4- وضع الرجل مقاييس من عنده لبيان الحديث الذي يؤخذ به ويعتمد، وقد توخى أن تكون تلك المقاييس مبطلة للسنة في جملتها، فلا تكاد تلك المقاييس المتعنتة تنطبق على حديث واحد أو بضعة أحاديث، هذا إذا صدقت النية في تطبيقها، أما إذا أخذنا في الاعتبار تكلفهم وتعنتهم في التأويل والخروج على مقتضيات اللغة، فإن مقاييس الرجل تزري بالسنة جميعها، وهذه المقاييس :
أ - أن يكون الحديث المروي هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجزم واليقين.
وهذا المقياس دون إقناعهم به خرط القتاد، حيث إنهم يطعنون في المتواتر، فما بالنا بغيره؟
ب - أن تكون هناك شهادة تثبت أن الكلمات التي أتى بها الراوي هي عين الكلمات التي نطقها النبي فعلاً.
ج- ألا يكون لألفاظ الحديث التي أتى بها الرواة معان سوى ما أتى به شراح الحديث، وبنى عليه الفقهاء أحكامهم.
وهذا الآخر من أعظم معاول الهدم للسنة النبوية المشرفة، حيث إنه ما من لفظ من ألفاظ اللغة العربية إلا وله عندهم معان وتأويلات لا تكاد تحصى، ولا يحكمها ويوجهها إلا هواهم الضال وأغراضهم الخبيثة. ( ).
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:15 AM
ثانياً : عبد الله جكرالوي
هو مولوي - الشيخ - عبد الله بن عبد الله الجكرالوي، نسبة إلى بلدة ( جكرالة ) التي ولد بها، وهي إحدى قرى إقليم " البنجاب " بباكستان حالياً، وعاصمته " لاهور ". وقد ولد عبد الله حوالي 1830م. في أسرة علم ودين، وكان والده يتبع مشيخة إحدى الطرق، فلما ولد ابنه وسماه عبد الله، حمله إلى شيخ الطريقة فباركه ودعا له وسماه : " غلام نبي " أي خادم النبي، أو " عبد النبي ".
ومن عجيب أن يتحول هذا الذي سمى " عبد النبي " - نعوذ بالله من عبودية لغيره سبحانه - إلى عدو للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلن الحرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى سنتــه، ويخلع طاعتــه، ويصبح في رأس قائمة منكري السنــة النبوية المطهرة .. ] والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ ( يوسف:21).
وقد تلقى " عبد الله جكرا لوي " علومه بالمدارس الأهلية، ثم سافر بعد ذلك إلى مدينة " دهلي " حاضرة الهند لدراسة الحديث الشريف والتخصص فيه، وبعد أن أتم دراسته، ولمس من القدرة على تدريس الحديث وتعليمه الآخرين عاد من " دهلي " مدرساً ومعلماً، ثم دخل مجال التأليف والكتابة فيما تلقاه وتخصص فيه من علوم الحديث الشريف. وقد ظل على ذلك زمانا يزاول تعليم الحديث وخدمة السنة تعليماً وتأليفاً ومناظرة مع الآخرين.
بداية انحرافه :
ظل عبد الله جكرالوي على اشتغاله بالحديث حتى اصطدم ببعض مشكلات من متشابه الحديث الشريف، فخرج على الناس بعقيدته الجديدة التي أعلن عن شعارها بمقولته الشهيرة " هذا القرآن هو وحده الموحى به من عند الله - تعالى - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أما ما عداه من السنة فليس بوحي " ثم شرع في تحقيق مذهبه الجديد وشرحه، والدعوة إليه، ومحاولة اكتساب الأنصار له ..
ومن الواضح أن عبد الله جكرالوي لم ينتقل من الشيء إلى نقيضه، أو من مناصر للسنة النبوية وداعٍ إليها، وشيخ من شيوخ جماعة " أهل الحديث " بالهند إلى عدو للسنة النبوية، طاعن فيها، داعٍ إلى نبذها وعدم اعتبارها، دفعة واحدة، أو في لحظة مفاجئة، بل الغالب المقبول - طبعاً - أن الرجل راودته أفكار وخواطر، وعاودته شبه ومشكلات لبَّست عليه الحق، وأضلته عن السبيل السويّ في البحث عن الحق فيما يقابله من مثل هذا، ومن قبل ذلك سبق فيه قدر الله - عز وجل - فأضله شيطانه، وأسلم قياده لهواه، وجاءت اللحظة التي لم تكن مفاجئة له، ولكنها كانت مفاجئة للناس الذين عرفوه نصيراً للسنة، فإذا هم يفاجؤون به عدوا للسنة، ومن قبل ذلك عدواً لله ورسوله والمؤمنين.
وهذا الذي نراه من أن انقلاب الرجل لم يأت فجأة أو من فراغ، هو الذي يتفق مع الواقع ومنطق الأحداث، فإن الانقلاب من الشيء إلى نقيضه في الأمور الخطيرة والمصيرية لا يصل إليه الإنسان من منفرج واسع، بل يصل إليه من سمِّ الخياط.
صلة عبد الله جكرالوي بالإنجليز :
يبدو أن انقلاب الرجل من مناصر للإسلام إلى عدو للإسلام والمسلمين، قد لفت أنظار المستعمرين الإنجليز إليه، وما كان لِعَيْن الإنجليز الفاحصة الباحثة عن أعداء الإسلام والمسلمين لتستغلهم وتوجههم وترعاهم لتخطئ هذا الرجل، وقد لفت الأنظار إليه بانقلابه الهائل المفاجئ للناس، وبذلك بدأت صلته بالإنجليز واستغلالهم إياه، ونحن لا ندري أكانت صلته بهم هي التي ساعدت على انقلابه ضد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والإسلام، أم أن انقلابه هو الذي أهله لهذه الصلة الضالة؟
ومن عجب أن تختلف بعض الآراء حول هذه الصلة، حتى إن البعض ينكرها، والبعض يشكك فيها، مع أن سيرة الإنجليز ومنهجهم بالهند، وعبر مئات الأشخاص من أمثال عبد الله جكرالوي تؤكد أنهم وراء كل شخص من هؤلاء، بل إنهم يبحثون عنهم ويشكلون فكرهم واتجاهاتهم، وهذا الرجل جاءهم لقمة سائغة، وصنيعة سهلة، وكان الرجل - من جانب آخر - يرفل في بحر من الأموال والنفقات التي كان يحتاجها لطبع كتبه ومؤلفاته العديدة ..
لكن التشكيك في هذه الصلة بل إنكارها جاء من أنصار " عبد الله جكرالوي "، ومن يدينون بمعتقده، ويسيرون على منهجه في معاداة السنة النبوية، ومقت الإسلام وأهله، وذلك أمر طبيعي، بل إن إنكار أنصاره هذه الصلة لهو دليل على وجودها، وإن المريب يكاد يقول خذوني، وهل كان ينتظر من أنصاره الذين يشاركونه نفس النقيصة والضلالة، أن يقروا بهذه الصلة، وهي كفيلة بصرف الناس من حولهم، وانفضاض الأنصار عنهم ؟.
ولذلك نرى على رأس الذين ينكرون هذه الصلة " غلام أحمد برويز " الذي تلقى ضلالة إنكار السنة، وورث هذا الاتجاه الضال عن كل القائلين به في الهند، وتولى كبر نشره في باكستان، وما تزال نحلته الفاسدة على الساحة، هذا الرجل ينكر صلة " عبد الله جكرالوي " أستاذه في الضلالة فيقول : " إن الميرزا غلام أحمد القادياني كان من البذور التي بذرتها الحكومة البريطانية، وإن دعوته جاءت من صميم النداء الإنجليزي ،بينما نرى عبد الله سليم النية اكتوى بنار ما أصيب به الإسلام في عصره من الفرق المتعددة "( ).
" لكن المحققين من أمثال " محمد علي قصوري " يرى أن الحكومة البريطانية كان لها يد وراء الحركتين : القاديانية، والجكرالوية. حيث يقول " إن الحكومة البريطانية تمكنت من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، فحرضتهم على القيام بأعمال تفقد الثقة في السنة النبوية الشريفة، وكان على رأس هؤلاء جميعاً " عبد الله جكرالوي " وقد اختاره المسيحيون - النصارى - لأداء هذه المهمة، فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام، فأخذت رسائل التأييد تصل إليه من المبشرين المسيحيين - المنصرين - وتعده بالمساعدات المالية، وتشكره على هذا المجهود الجبار "( ).
جهود العلماء ضده :
بدأ عبد الله جكرالوي حركته ضد الإسلام فأنكر السنة النبوية جميعها، وألف جماعة سماها " أهل الذكر والقرآن " وكان هو رئيس هذه الجماعة، ونشط بشكل مكثف بالدعوة إلى نحلته الضالة التي تقوم على نبذ السنة النبوية، والزعم بأن القرآن كافٍ في قضايا الدين وأحكام الشريعة، وألف في ذلك الكتب الكثيرة، وكان مقر دعوته مدينة " لاهور " وهي في ذلك الوقت - بل في كل وقت - حاضرة العلم والعلماء.
لذلك كان له العلماء بالمرصاد، حيث صاروا يفندون آراءه، وينشرون المقالات ضد نحلته، شارك في ذلك العلماء على الأصعدة كافة وعلى منابر المساجد، وقامت مجلة " إشاعة السنة " - نشر السنة - بالدور الأهم والأكثر تأثيرا، حيث جمعت آراءه الضالة، وفندتها،وبينت ما فيها من كفر وفسوق عن الملة، ثم وضعتها على بساط البحث بين أيدي العلماء، ووجهت النداءات إلى جميع العلماء لإبداء آرائهم، وإصدار أحكام الشريعة في هذا الذي يعتنق مثل هذه الآراء الكُفْرية وهل يكون مؤمناً مسلما مع اعتناقه هذه الأفكار التي تقوم على الكفر بالسنة كلها ؟ ..
فما كان من العلماء إلا أن أفتوا بكفره وفسوقه عن الإسلام. أفتى بذلك الكثرة الكاثرة من علماء الهند بأقطارها كافة.. ثم قامت المجلة " إشاعة السنة " نفسها بنشر عشرات التوقيعات لعلماء الدين المشاهير في الهند الذين يعلنون أن " عبد الله جكرالوي " كافر بالدين، مقطوع الصلة بالإسلام، خارج عن جماعة المسلمين .
لكن الرجل ظل على ضلالته من الكفر بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والدعوة إلى نبذها وعدم العمل بها، حتى أخذه الموت سنة أربع عشرة وتسعمائة وألف، بعد عمر طويل قضاه في حرب الله ورسوله والإسلام عليه من الله ما يستحق.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:16 AM
ثالثاً : أحمد الدِّين الأَمْرِتْسِرِي
هو الخاجة أحمد الدين بن خاجة ميان محمد بن محمد إبراهيم الأمر تسري. نسبة إلى مدينة " أمرتسر " التي ولد بها سنة إحدى وستين وثمانمائة وألف للميلاد، وبعد ولادته حمله والده إلى شيخه فمسح الشيخ رأس الطفل ودعا له وسماه باسمه هذا .. وقد بدأ أحمد الدين تعليمه بالقرآن المجيد، ثم العلوم الدينية عند بعض المشتغلين بذلك، ثم التحق بمدرسة المبشرين - المنصرين - فدرس هناك كتاب النصارى المقدس وبعض العلوم العصرية - ثم اعتمد بعد ذلك على جهوده الخاصة في اكتساب العلوم والمعارف، مما مكنه من تحصيل كثير من العلوم الحديثة كالتاريخ والجغرافيا والفلك والاقتصاد والمنطق والرياضيات بجانب العلوم الإسلامية التي كانت عنايته الأولى، كذلك كان يجيد العربية والإنجليزية والفارسية والأردية وبعض اللهجات الإقليمية.
صلته بالقرآنيين السابقين عليه :
كان للخاجة أحمد الدين صلة وثيقة بأفكار القرآنيين - منكري السنة - السابقين عليه، حيث قرأ لهم، واتصل بمن كان حياً منهم، وأخذ عنهم وتأثر بهم إلى حد أن السابقين عليه هم الذين وضعوا له نهج حياته ووجهوا أفكاره .. فقد أخذ عن " السيد أحمد خان " إنكار السنة، واتصل بعبد الله جكرالوي عبر زيارات متوالية، وأخذ عنه أفكاره، وكان أشد مكراً من عبد الله، حيث كان ينصحه بعدم التصريح بإنكاره للسنة، واختراع الفرائض والعبادات التي لا يعرفها المسلمون زاعماً أنه استقاها من القرآن، كذلك كانت له صلة بمحمد إقبال، وكان كثير الاجتماع به، والمباحثة معه، مما ألقى ظلالاً على محمد إقبال توهم تأثر إقبال بفكر القرآنيين، وأنه مال معهم إلى إنكار السنة .. كذلك كانت له صلة بميرزا غلام أحمد القادياني مؤسس الديانة القاديانية، ومن المأثور أنه لم يكن يشدد النكير على القادياني ولا غيره، بل كان يحضر له دروسه ولغيره ممن يخالفونه الفكر والعقيدة.
دعوته إلى نحلته :
بدأ الخاجة أحمد الدين نشاطه بالتدريس والكتابة، وكان يتسم باللين والهدوء، مما جعل الكثيرين يقبلـون على سماعه وحضور درسه، ثم دعا إلى تأسيس جماعته الخاصة وسماها : "أمة مسلمة " ثم أنشأ مجلة تتكلم باسم الجماعة وتنشر أفكارها وآراءها، مما جعل الكثيرين ينضمون لجماعته متأثرين بأسلوبه الهادئ، وبخاصة أنه لم يكن يصرح بما يصدم المسلم، بل كان يميل إلى التورية وعدم المواجهة، إضافة إلى لينه وهدوء أسلوبه، وقدرته على الإقناع. مما كان له الأثر في انضمام فئات المثقفين من أساتذة الجامعات والمدرسين والقضاة وغيرهم إلى جماعته، وحماستهم لنشر أفكاره بالكتابة والتأليف والنشر، كل هذه العوامل جعلت المناخ مواتياً لنشر أفكار " خاجة أحمد الدين " وكثرة أتباعه.
وقد توفي خاجة أحمد الدين في يونيه سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف للميلاد.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:16 AM
رابعاً : غلام أحمد برويز
هو غلام أحمد برويز بن فضل دين بن رحيم بخش. ولد في يوليه من عام ثلاثة وتسعمائة وألف للميلاد بالجانب الهندي من إقليم البنجاب. وقد تلقى علومه الدينية على يد جده، ثم أكمل بالمدارس النظامية، وقد اتجه إلى الوظائف الحكومية قبل أن يكمل تعليمه الثانوي، فقضى حياته الوظيفية بالمطبعة الحكومية حيث وصل إلى وظيفة مدير المطبعة.
صلته بعقائد القرآنيين :
كان اتصال غلام أحمد برويز بعقيدة القرآنيين في البداية عن طريق القراءة لآرائهم وأفكارهم التي كانت حديث المثقفين وقتذاك يؤيدها القلة ويعارضها الكثرة، ومن في مثل ذكاء "برويز" ونشاطه ما كان يخفى عليه نشاط هذه الحركة وآراؤها، وما كانت تمر عليه هذه الأفكار دون أن تشغله وتؤثر فيه إن سلباً أو إيجاباً. لكن تركه الأمة المسلمة وانقلابه إلى تلك الشرذمة الشاذة عن الإسلام جاء تحت واقعة محددة، لعلها هي القشة التي قصمت ظهر البعير. " وهو يحدث عن ذلك فيقول : " ذات يوم كنت أطالع التفسير فمررت بقوله - تعالى - : ] يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها [ (الأحزاب:69 )، وقد ذكر القرآن تفصيل هذا الإيذاء من عناد بني إسرائيل لموسى - عليه السلام - وطلبهم ما لا يحتاجون إليه ... غير أني وجدت في تفسير هذه الآية حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري والترمذي من اتهام بني إسرائيل موسى بالبرص، وفرار الحجر بثيابه، وضرب موسى الحجر بعصاه، فارتعدت فرائصي، واستغرقني التفكير، وتوالت عليَّ الشبهات واحدة تلو الأخرى) ( ).
وهكذا كانت اللحظة التي لابد أن برويز فكر فيها كثيراً. أما إعلانه عن انقلابه إلى فكر القرآنيين. منكري السنة، فقد جاء على هيئة خطب منبرية ودروس داخل المساجد في بداية الأمر، ثم تولت مجلته " طلوع إسلام " نشر أفكاره بعد ذلك، ثم توسعت أفكاره شيوعاً عبر مقالاته ومؤلفاته الكثيرة، ومن خلال نوادي حركته التي أنشأها لتضم أتباعه في إنكار السنة، وسماها : نوادي طلوع إسلام، نسبة إلى مجلته تلك .. ولقد زاد من شيوع حركته وذيوع أفكاره انتقاله إلى دولة باكستان الوليدة بعد استقلالها عن الهند. حيث انتقل إلى مدينة " كراتشي " التي ما تزال حتى اليوم حاضرة " البرويزيين " أتباع برويز. وقد كانت الظروف وقتذاك ملائمة له ولحركته، حيث كان على رأس الدولة الفتية قائدها " محمد على جناح "( ) الذي استغرقته السياسة فشغلته عن مشكلات الإسلام، وعن الحركات الهدامة التي بدأت تنتشر على حساب الإسلام وأمته، وعلى رأس هذه الحركات الهدامة حركة " القرآنيين " بعامة، وحركة "البرويزيين" بخاصة. ومن المعروف أنه كان في أعضاء حكومة باكستان حين الاستقلال، عدد لا بأس به "القاديانيين" على رأسهم " ظفر الله خان " وزير الخارجية آنذاك، الذي حارب الإسلام ومكن للقاديانية، بل وساعد هو وقبيله الحركات ضد الإسلام، وكان منها حركة القرآنيين، وقد وصل من محاربة هذا الرجل القادياني للإسلام والمسلمين في بلد قام أصلاً على الإسلام، أن قام المسلمون بباكستان بثورة عارمة يقودها العلماء لخلع هذا الرجل من وزارة الخارجية، ولم يتم ذلك حتى قتل من المسلمين وعلمائهم المئات، وهو ثمن زهيد في مقابل تنحية هذا الكافر المتعصب عن مكانه الخطير في الدولة المسلمة.
آراؤه وموقف العلماء منه :
كان لغلام أحمد برويز من الآراء ما يتفق مع الهدف العام لحركة القرآنيين الذي يقوم على تخريب الإسلام وهدم أركانه، وذلك بتنحية السنة النبوية عن التشريع الإسلامي. وقد كانت حركة السابقين عليه من القرآنيين تقوم على اعتبار أن القرآن قد شمل الدين بكلياته وجزئياته، وكل مجمل ومفصل، وقد وضعوا بذلك أساس دينهم القائم على أن القرآن كافٍ وحده .. أما " برويز" فقد خطط كي يضمن السياسة والسياسيين إلى جانبه، وكي ينال تأييد أصحاب الحكم والسلطان بباكستان. ومن ثم فقد وضع لهم مكانا متميزا في آرائه. وكانت آراؤه تلك تقوم على أن القرآن قد شمل كليات الدين ومجمله، وأما التفاصيل فهي متروكة لولىّ الأمر الذي يتولى سدة الحكم في بلده، فهو الذي يتولى بيان المجمل، وتفاصيل التشريع، ومن سلطته التحليل والتحريم حسب ما يراه ملائماً للظروف القائمة. وقد كان هذا النهج مرضيا تماماً للحكام والمسؤولين، حيث أضفوا على برويز وجماعته حمايتهم، ومنحوه تأييدهم، ومكنوا له، حيث استطاع نشر ضلالاته على نطاق واسع، وصار للبرويزيين وجود محسوس على الساحة الباكستانية وغيرها من بلاد الهند وبعض البلاد الأوربية التي يهاجر إليها الباكستانيون للعمل أو الدراسة.
موقف العلماء من برويز ودعوته :
اتسعت دعوة برويز لتشمل أصعدة كثيرة على الساحة الإسلامية بباكستان. وقد قام العلماء في البلد المسلم بواجب الجهاد ضد هذه الحركة كما فعلوا بالنسبة للحركات السابقة عليها، لكن العلماء أولوا هذه الحركة من الاهتمام ما يناسب خطورتها، وقد قامت الجماعة الإسلامية ممثلة في رئيسها وشيخها الإمام المجاهد الداعية "المودودي" بالدور الأكثر في هذا المجال.
" وفي سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف وضعت أفكار برويز ومعتقداته أمام العلماء ليفتوا فيها، وليبينوا حكم الإسلام فيمن يعتنق مثل هذه الأفكار، وهل تبقى له صلة بالإسلام مع اعتناقه هذه المعتقدات البرويزية ؟ أو أن الإسلام بريء منه ؟ وقد تولى إجراء هذا الاستفتاء أركان المدرسة العربية الإسلامية بكراتشي، فأفتى ما لا يقل عن ألف عالم من علماء الدين من باكستان والهند والشام والحجاز بتكفيره وخروجه عن ربقة الإسلام "( ).
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:16 AM
المبحث الخامس
شبهـــات القرآنييــن والرد عليها
لهذه الطائفة التي أسمت نفسها " القرآنيون " مغالطات وجهالات، زعموا أنها شبهات ضد سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المطهرة، ويزعمون أن هذه الشبه هي في الوقت ذاته أدلة قاطعة على وجوب ترك السنة النبوية المطهرة، وإهمالها والانصراف عنها، وعدم اعتبارها مصدراً للتشريع، والاقتصار على القرآن المجيد مصدراً وحيداً للتشريع الإسلامي .. وسنتولى - بحول الله تعالى - ذكر شبهاتهم هذه كما أوردوها، ثم نفندها ونرد عليها ونبين بطلانها.

الشبهة الأولى :
قولهم ؛ إن القرآن الكريم كافٍ في بيان قضايا الدين وأحكام الشريعة، وإن القرآن قد اشتمل على الدين كله، بجملته وتفصيله، بكلياته وجزئياته، وأنه يحتوي جميع الأحكام التشريعية بتفصيلاتها، ما ترك شيئاً ولا فرط في شيء. ولهذا كان القرآن كافياً، ولم يكن ثمة حاجة لمصدر ثان للتشريع. فالسنة لا حاجة إليها، ولا مكان لها .. وقد استدلوا لشبهتهم هذه بما زعموه أدلة من القرآن المجيد. من ذلك قوله – سبحانه : ] ما فرطنا في الكتاب من شيء [ ( الأنعام:38). واستدلوا – كذلك – بقول الله – سبحانه – يصف القرآن الكريم : ] ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [.( يوسف:111)، وكذلك استدلوا بالآيات التي وصف الله – تعالى – القرآن فيها بأنه " مبين " من مثل قول الله – عز وجل - ]إن هو إلا ذكر وقرآن مبين [ (يس:69).
أما وجه استدلالهم بتلك الآيات، فإن الآية الأولى بين الله - تعالى - فيها أنه - سبحانه - ذكر كل شيء في القرآن الكريم، ولم يفرط في الكتاب من شيء بمعنى أنه - سبحانه - لم يترك صغيرة ولا كبيرة، ولم يدع أمراً من أمور الدين، أو حكما من أحكام الشرع يحتاج إليه الناس في عقائد أو عبادات أو معاملات إلا قد ذكره في القرآن، وإذا كان الأمر كذلك ؛ فما حاجتنا إلى مصدر آخر غير القرآن، إن إضافة مصدر آخر إلى القرآن الذي لم يترك شيئا، ولم يفرط الله فيه من شيء، إنما يعني أن نزيد في شرع الله ما ليس منه، وأن نخلط شرع الله الذي أنزل به كتابه بشرع من عند غير الله - تعالى - وهذا باطل فاسد، وفساده إنما أتى من الاعتماد في الدين على غير كتاب الله الذي فصل كل شيء وأحاط بكل شيء.
واشتمال القرآن على تفصيل كل شيء إنما هو واضح من خاتمة سورة يوسف - عليه السلام - الذي وصف الله فيها القرآن بأنه " تفصيل كل شيء " وإذا كان القرآن فصل كل شيء ؛ فما حاجتنا إلى السنة ؟. وماذا سنفيد منها ؟ .. كذلكم الآيات التي وصفت القرآن بأنه " مبين " ووصفت آياته بأنها " آيات بينات " فهذه تقطع السبيل على من يقولون إن السنة مبينة للقرآن ومفصلة. فهذا هو القرآن يتحدث عن نفسه في آياته القاطعات، بأنه قد اشتمل على كل شيء، وفصل كل شيء، وبين كل شيء، وبهذا يتضح أن السنة لا محل لها من التشريع، ولا حاجة إليها من بيان أو تفصيل أو توضيح.
تفنيد الشبهة والرد عليها :
إن القول بهذه الشبهة يدل على جهل بالقرآن المجيد، وعدم فهم لآياته، بل يدل على سوء قصد لدى القائلين بها. فإن الأمة مجمعة على أن القرآن العظيم قد اشتمل الدين مجملاً في كثير من جوانبه وأحكامه، ومفصلاً في جوانب أخرى، وقد جاءت السنة النبوية المطهرة فبينت المجمل وفصلته، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبين ويفصل إنما ينفذ أمر الله - تعالى - ويؤدي ما وكله الله - تعالى - إليه من بيان القرآن المنزل علىالخلق، تطبيقاً واستجابة لأمر الله - عز وجل - في قوله : ] وأنـزلنا إليــك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ (النحل:44 ).
فالقرآن المجيد قد اشتمل على قضايا الدين، وأصول الأحكام الشرعية، أما تفاصيل الشريعة وجزئياتها فقد فصل بعضها وأجمل جمهرتها، وإنما جاء المجمل في القرآن بناء على حكمة الله - عز وجل - التي اقتضت أن يتولى رسوله - صلى الله عليه وسلم - تفصيل ذلك المجمل وبيانه .. وهذا هو ما قام عليه واقع الإسلام، وأجمعت عليه أمته، ومن ثم فلا وزن لمن يقول بغير ذلك أو يعارضه، لأن معارضته مغالطة واضحة وبهتان عظيم، وإذا كان أصحاب هذه الشبهة يزعمون أن القرآن المجيد قد فصل كل شيء، وبين كل صغيرة وكبيرة في الدين ؛ فلنحتكم وإياهم إلى عماد الدين الصلاة ؛ أين في القرآن الكريم عدد الصلوات، ووقت كل صلاة ابتداء وانتهاء، وعدد ركعات كل صلاة، والسجدات في كل ركعة، وهيئاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وواجباتها، وسننها، ونواقضها، إلى غير ذلك من أحكام لا يمكن أن تقام الصلاة بدونها؟ ومثل ذلك يقال في أحكام العبادات كافة، إن القرآن العظيم قد ورد فيه الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فأين نجد منه الأنواع التي تخرج منها الزكاة، ومقدار كل نوع، وأين نجد أحكام الصيام ؟ وأين نجد مناسك الحج ؟ إن الله - سبحانه - قد وكل بيان ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
فقال : " صلوا كما رأيتموني أصلي "، ولم يقل : كما تجدون في القرآن، لأن القرآن قد خلا من تفصيل الأحكام وبيانها.
ولعل من حكمة الله - سبحانه - في ترك التفاصيل والبيان لرسوله - صلى الله عليه وسلم – ؛ أن تفصيل الأحكام وبيان جزئياتها، وتوضيح دقائقها، إنما يكون بالطريق العملي أولى وأجدى، ولو أن الأحكام فصلت قولاً نظرياً، لما استغنت عن بيان عملي واقعي.
ولعله من الحكمة وراء ذلك - أيضا - بيان ما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منزلة سامية لا يشاركه فيها غيره، ومكانة رفيعة عالية لا يرقى إليها سواه، وذلك بإسناد الله - تعالى - تفصيل الأحكام وبيانها إليه - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو كان كل شيء مفصلا مبينا لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل غيره من الناس مطبقاً لما هو قائم فعلاً، لكن الله - عز وجل - اختصه - صلى الله عليه وسلم - بتفصيل الأحكام وبيان مجمل القرآن تكريماً لشأنه وإعلاء لمنزلته، وليس ذلك أمراً قائماً بذاته، بل هو مبني على ما سبق أن بيناه من حِكَم .
أما هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة فقد ارتكبوا عدداً من الأخطاء .. أول هذه الأخطاء أنهم لم يحاولوا أن يفهموا الموضوع في إطار القرآن الكريم كله، وإنما أخذوا آية واحدة أو آيات وركزوا كلامهم فيها، وبنوا مذهبهم الفاسد عليها، وتركوا القرآن المجيد كله بما فيه من آيات واضحات تتصل بالموضوع اتصالاً مباشراً. ومن هنا فقد حملوا الآيات التي اختاروها ما لا تحتمل، ووجهوا معناها الوجهات الخطأ التي أرادوها هم، وليس التي تنطق بها الآيات، ومن البدهيات التي يعلمها عامة الناس - بله العلماء - أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن آياته إنما يفهم بعضها في إطار البعض الآخر، وأن تفسير بعض الآيات بعيداً عن بقية الكتاب الكريم قد يكون خطأ يؤدي إلى محظورين خطيرين؛ الأول : عدم فهم المراد من الآيات فهماً صحيحاً. والثاني: أن يضرب القرآن بعضه ببعض، وأن تعارض بعض آياته بالبعض الآخر، وهذا جرم عظيم، لا يرتكبه إلا مجرم أثيم، وهؤلاء قد اعتمدوا آية أو بضع آيات من القرآن، ثم عزلوها عن بقية ما في القرآن المجيد من آيات بينات في نفس الموضوع، ثم حملوها من المعاني مالا تحتمل، عن سوء قصد وتعسف .. ولعل تفنيد شبهتهم هذه يقتضينا - إلى جانب ما ذكرنا - توضيح معاني الآيات التي استدلوا بها، حتى تبطل شبهتهم هذه بتمامها. وتنهار من أساسها.
إن عمدتهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه هو قول الله - عز وجل: ] ما فرطنا في الكتاب من شيء [ ( الأنعام:38)، مدعين أن هذه الآية تعني أن الكتاب الكريم قد احتوى تفصيل كل صغيرة وكبيرة وبيانها، ومن ثم فلا حاجة إلى السنة التي تبينه وتفصله، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالكتاب في الآية الكريمة، إنما هو اللوح المحفوظ، وليس القرآن الكريم، وسياق الآية كاملة يرجح هذا، فالآية الكريمة كاملة : ] وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. ما فرطنا في الكتاب من شيء. ثم إلى ربهم يحشرون [(الانعام:38) فالآية تتحدث عن عظيــم علــم الله - تعالى -، وإحاطته بكل شيء في الوجود من دواب وطيور وغيرها، وقد شمل علم الله - سبحانه - كل شيء، وقدر ما يقع لكل منها، ثم إليـــه يحشــر الكــل. وذلك كقوله - تعالى: ] ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها. إن ذلك على الله يسير[ (الحديد:22). فالكتاب الذي احتوى كل شيء كان أو كائن أو يكون إنما هو اللوح المحفوظ - وعلى تفسير الكتاب بأنه القرآن الكريم، فقد قال المفسرون أن معنى الآية إن الله - تعالى - قد ضمن القرآن الكريم كل ما يحتاج إليه المكلفون من أوامر ونواه، وعقائد وشرائع، وبشارة ونذارة .. إلى غير ذلك، وليس معنى ذلك أنه لا يحتاج إلى السنة المبينة له، فهو وحي، والسنة وحي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وقد قال عنه ربه - سبحانه - :] وما ينطق عن الهوى.إن هو إلا وحي يوحى[ ( النجم:3-4). فالله - سبحانه - الذي ضمن القرآن العظيم قضايا الدين وأصول الأحكام مجملة، هو - سبحانه - الذي وجه الناس وأرشدهم إلى الطريق الذي يحصلون منه على تفصيل ذلك المجمل وبيانه، وقد جاء التوجيه في القرآن نفسه فقد قال الله - عز وجل - : ] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم [ ( محمد:33) ، وقال -تبارك وتعالى-: ] وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ ( الحشر:7). وغير ذلك آيات كثيرة تأمر المؤمنين بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ عنه .. وبذلك يتضح معنى الآية الكريمة : ] ما فرطنا في الكتاب من شيء [، وأن الكتاب لو فسر بأنه القرآن، فإن الله - تعالى - قد ضمنه كل شيء يحتاج إليه المكلف، فما كان فيه من تفصيل كفى، وما كان فيه من إجمال، فقد وجه القرآن المؤمنين إلى الطريق الذي يجدون فيه تفصيل ذلك المجمل، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك يكون القرآن المجيد قد اشتمل كل شيء، وصدق الله العظيم القائل : ] ما فرطنا في الكتاب من شيء [.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:17 AM
الشبهة الثانية :
هذه الشبهة تقوم على أساس ادعائهم أن السنة النبوية ليست وحياً من قبل الله -سبحانه - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه اجتهاد وتصرف من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى بشريته، وهو - صلى الله عليه وسلم - بهذا الاعتبار يصيب ويخطئ، فالسنة ليست وحياً، وبالتالي فهي ليست منزهة عن الخطأ، لأن المنزه عن الخطأ إنما هو الوحي، ولا وحي إلا القرآن المجيد. وإذا كانت أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله ليست وحياً، فلسنا ملزمين باتباعها، ولا هي مصدر من مصادر التشريع. وهم يذكرون أموراً يزعمون أنها أدلة على أن السنة ليست وحياً، وإنما هي اجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم- باعتباره بشراً ...
فمن أدلتهم المزعومة على ذلك، أولاً : مسألة تأبير النخل، حيث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يتركوا النخل فلا يؤبِّروه - يلقحوه - فأطاعوا أمره ففسد النخل، وخسر الناس ثمار نخيلهم .. وثانياً : مسألة نزول جيش المسلمين في غزوة بدر، حيث أنزله الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزلاً - ثم ظهر خطأ هذا المنزل، فانتقل الجيش إلى منزل آخر بناء على رأى صحابي من أصحابه - رضوان الله عليهم - .. وثالثاً : مسألة أسرى بدر، حيث استحياهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتلهم، وأخذ منهم الفداء،ونزل القرآن مبيناً خطأ ذلك الاجتهاد وإصابة اجتهاد عمر ورأيه في المسألة. ورابعاً : اعتبار الصحابة -رضوان الله عليهم- أن السنة ليست وحياً، وإقرارهم بذلك عملياً، وذلك حين خالفوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، حين ذبح وحلق، بينما رفضوا هم ذلك معتبرين ذلك اجتهاداً من النبي، وليس وحياً، ولو اعتبروه وحياً ما خالفوا( ).
الرد على هذه الشبهة وتفنيدها :
إن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء سبقهم إليها بعض الطوائف من منكري سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا ما زعموه أدلة لهم على ما ذهبوا إليه، وهذه الشبهة مع ما زعموه أدلة عليها ما كان ينبغي أن تصدر عن مسلم، أو عمن يدعي أنه مسلم، فإن الأمة المسلمة مجمعة سلفاً وخلفاً وإلى أن تقوم الساعة على أن السنة النبوية المطهرة وحي من قبل الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادراً عن فراغ أو عن هوى، ولكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غويٌّ مبين ..
والأدلة على أن السنة وحي من الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة وعديدة سبق أن ذكرناها في مبحث حجية السنة، لكن لا بأس من الإشارة إلى أهمها هنا:
أولاً : إخبار الله - تعالى - بذلك في نصوص قاطعة في آيات بينات من القرآن المجيد الذي ينتسب إليه هؤلاء .. من ذلك قوله - عز وجل - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ]وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى [ (النجم:3-4 ). ومن ذلك قوله - عز وجل - عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - : ] ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحـد عنه حاجزين [ ( الحاقة:44-47). فهذه الآيات ليس فيها إخبار بأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي فقط، بل فيها إخبار بأنه - صلى الله عليه وسلم - لو افترى على الله - تعالى - شيئاً لم يوحه الله إليه لقتله الله وقضى عليه.. وحيث إن الله - تعالى - لم يأخذ من رسوله باليمين، ولم يقطع منه الوتين، أي لم يقض عليه، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما نطق إلا بما أوحاه الله - تعالى - إليه.
ثانياً : النصوص القاطعة من كتاب الله المجيد التي يأمر الله - عز وجل - فيها المؤمنين باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله - تبارك وتعالى:] وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا[( الحشر:7). وقول الله - سبحانه - : ] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم [ ( محمد:33).
ثالثاً : ترتيب الله - تعالى - الإيمان على طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والرضا بحكمه، والتسليم لأمره ونهيه في كل ما يراه ويحكم به، وذلك في قول الله - عز وجل - : ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما [ (النساء:65 ). ومن ذلك وصف الله - تعالى - المؤمنين بأن شأنهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وذلك في قوله - سبحانه - :] إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [ ( النور:51).
رابعاً : إجماع الأئمة كلها على أن السنة وحي من قبل الله - عز وجل - إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبخاصة صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين - حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله - صلى الله عليه وسلم - ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يأتي وما يذر - فيما ليس بخصوصية له - صلى الله عليه وسلم - مستجيبين لتوجيه الله - تعالى - في قوله لأمة الإسلام : ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [ (الأحزاب:21 ). وقد كان الذي يعرف الكتابة منهم يكتب لنفسه خاصة. وقد كان ثمة عدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتبون لأنفسهم في حياته الشريفة. ثم بعد حياته - صلى الله عليه وسلم – كانت المسألة تُعرَضُ للصحابة - رضوان الله عليهم - فيبحثون في القرآن، فإذا لم يجدوا حكمها، بحثوا في السنة الشريفة وحكموا فيها بما وردت به السنة، وكان سائلهم يسأل أصحابه وإخوانه قائلاً : أنشدكم الله هل سمع أحدكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً في المسألة ؟ فإذا جاءهم حكم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على لسان أصحابه أو بعضهم سارعوا إلى تطبيقه والأخذ به .
هذه تذكرة بالأدلة القاطعة على أن السنة وحي من عند الله - تعالى - وقد سبق أن فصلنا ذلك في مبحث سابق عن حجية السنة، بما يغني عن الإعادة هنا.
أما ما أثاروه من مغالطات مدعين أنها أدلة على أن السنة النبوية المطهرة ليست وحياً ؛ فهو كلام ظاهر البطلان. ونحن نرد عليه - رغم وضوح بطلانه - إبطالاً لمزاعمهم.
1- وأول مزاعمهم الباطلة مسألة تأبير - تلقيح - النخل. وهي مسألة ترجع إلى التجربة والخبرة ولا علاقة لها بالوحي من قريب أو من بعيد. ومن المعلوم أن الأمور التي تقوم عليها معايش الناس وحياتهم العادية لا صلة لها بالوحي إلا فيما يتصل بها من حل وحرمة وإباحة. أما كيفية مزاولتها والقيام بها، فذلك متروك للخبرة والتجربة يزاولونها حسب ما ألفوا وتعودوا.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن له سابقة خبرة بتأبير النخل، ولما رآهم يفعلون ذلك قال لهم " لو تركتموه لصلح " إما على هيئة الاستفهام، وإما على الاقتراح المبني على عدم التجربة. ولم يكن لذلك من صلة بالتشريع لا أمراً ولا نهياً. ولذلك لما تركوا تأبير النخل ولم يصلح، وحدثوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، قال لهم : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ).
2- وأما ما أثاروه من منزل جيش المسلمين في غزوة بدر ؛ فقد كان ذلك بناء على رأي رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه - رضي الله عنهم - قائلاً : ( أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل اليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فكون ذلك ليس عن وحي واضح. فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هو وحي.
3- وأما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي. فقد كان الرأي أولاً، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك. وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمراً هاماً قد لا يتوفــر في كثــير غيرها من قضايا التشريع. فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه - رضوان الله عليهم-، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر - رضي الله عنه -، وكان رأي عمر - رضي الله عنه - أن يقتل الأسرى جميعا - وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويبين الصواب في القضية. يقول الله - سبحانه - في شأن فعل الرسول في أسرى بدر : ] ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة. والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حـلالاً طيباً واتقوا الله. إن الله غفور رحيم [ ( الأنفال:67-69).
فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي. وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقول ولا يفعل - فيما يتصل بالدين - إلا بوحي من عند الله - سبحانه -، وأن الله - سبحانه - لا يدع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلا، وخلاصته أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه. لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صواباً موافقا لأمر الله أقره الله - تعالى - على ذلك. وكان إقرار الله - سبحانه - له دليلاً على موافقة عمله لمراد الله - تعالى - فيكون وحياً، وإن كان اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس صواباً موافقاً لمراد الله - سبحانه - فإن الله - تعالى - لا يقره على ما قال أو فعل اجتهاداً، بل يصوب له ويصحح. وذلك كما حدث في أسرى بدر. حيث نزل فيها القرآن مصوباً ؛ وكما حدث في أوائل سورة “ عبس “ حيث نزل القرآن معاتباً .. وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السنة وحي من عند الله تعالى -، وأن الله - سبحانه - يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.
وفيصل الأمر في القضايا الثلاث التي أثاروها شبهة من شبهاتهم ظانين أنها دليل على أن السنة النبوية ليست وحياً ؛ أن ما يصدر عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نوعان : نوع يفعله بمقتضى بشريته – صلى الله عليه وسلم -، دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلاً أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل. ونوع آخر يفعله – صلى الله عليه وسلم – بمقتضى كونه بشرا رسولاً، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله – تعالى. والأمران الأولان : تأبير النخل، ومنزل الجيش في بدر، من النوع الأول الذي فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – برأيه. والأمر الثالث اجتهد فيه الرسول – صلى الله عليه وسلم – رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة – رضوان الله عليهم -، فنزل الوحي مصوباً ومبيناً الحكم الصحيح.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:17 AM
الشبهة الثالثة :
خلاصة هذه الشبهة قولهم: إن السنة لم تكن شرعاً عند النبي - صلى الله عليه وسلم-، ولم يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تكون سنته مصدراً تشريعياً للدين، وما قال شيئاً أو فعله بقصد التشريع، ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد. بل كان مصدر التشريع عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة - رضوان الله عليهم -، وجاء عهد التابعين الذين بدأت فيه فتنة القول بالسنة، وأنها مصدر من مصادر التشريع، وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين، حيث دخل فيه ما ليس منه، واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن، ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر، نعني بذلك سنة النبي.
وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك. منها :
1- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم، وحضهم على ذلك، ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولاً كانت أو فعلا، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) ( ).
2- أن الصحابة - رضوان عليهم - عرفوا من النبيe أن السنة ليست شرعاً فأهملوا كتابتها وحفظها، رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.
3- أن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنهم الخلفاء الراشدون - كانوا يكرهون رواية الأحاديث، ويحذرون منها، وكان عمر - رضي الله عنه - يهدد رواة الحديث ويتوعدهم، وقد حبس عمر بن الخطاب عدداً من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذاً لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.

الرد على الشبهة وتفنيدها :
هذه شبهتهم، وتلك أدلتهم عليها، والشبهة ساقطة، وأدلتها أشد منها سقوطا وافتراء. فالأمة المسلمة مجمعة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة - بحول الله تعالى - على أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. وقد أقمنا الأدلة وافية - بفضل الله - على أن السنة وحي من الله - سبحانه - على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكون السنة وحيا من عند الله - تعالى - قاطع وكاف بذاته على أنها شرع الله - تعالى - إلى الناس، فهي المصدر الثاني للتشريع بلا ريب .. ولكنا نزيد الأمر وضوحاً، ونرد على ما زعموه أدلة على شبهتهم تلك .
1- أما قولهم بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كتابة الحديث، بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه، وكان له - صلى الله عليه وسلم - كتبة القرآن ؛ فقول مبالغ فيه، ويقوم على التدليس وذكر بعض الحق وإخفاء البعض .. وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية. فهو مصدر الدين الأول، وهو أعلى من السنة منزلة وقداسة، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه، لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظ به السنة وبخاصة تدوينها وكتابتها .. والأسباب التي جعلت الصحابة يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة. منها : أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكتابته والإحاطة به أيسر، وهم على ذلك أقدر، أما السنة النبوية من أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله فكثيرة ومتشعبة تتضمن أقواله - عليه السلام - وأفعاله اليومية، وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها - صلى الله عليه وسلم - بينهم، وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة - رضوان الله عليهم -. ومنها : أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كون القرآن العظيم وحي الله - تعالى - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظه ومعناه، ولا تجوز روايته بالمعنى، أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى، ويجوز في السنة أن يقول القائل : " أو كما قال " وما هو من قبيلها، وليس ذلك جائزاً في القرآن. ومنها : أن الكاتبين بين الصحابة -رضوان الله عليهم - كانوا قلة، وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معاً، وإذا كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة، فليكن المكتوب هو القرآن، وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محرراً مضبوطاً تاماً لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
وأما احتجاجهم بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة. فهو احتجاج باطل من وجوه. أولها: أن هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تكتبوا عني، ومـن كتب عني غير القرآن فليمحه ). هذا الحديث معلول “ أعله أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد ". ولو صرفنا نظراً عن هذا، فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – الإذن بها، بل الأمر بها في أحاديث أخر، ولذلك قلنا إن استدلالهم فيه تدليس، حيث ذكروا حديث النهي، ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة. منها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح فقال “ إن الله حبس عن مكة القتل – أو الفيل الشك من البخاري – وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون .. " ولما انتهى من خطبته جاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( اكتبوا لأبي شاة ) ( ).. ومنها : ما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال : " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مني إلا عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب "( ). ومن ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن بعض الصحابة حدثه فقال : إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بشر يغضب فيقول ما لا يكون شرعاً، فرجع عبد الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما قيل له، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج من فمي إلا الحق)( ). وهذه الروايات في الصحيح، وهناك غيرها ضعيف وهي كثيرة. فإذا ما وازنا بين روايات المنع وروايات الإذن، “ وجدنا أبا بكر الخطيب - رحمه الله - (ت463هـ ) قد جمع روايات المنع فلم يصح منها إلا حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - السابق ذكره، وقد بينا أن الإمام أبا عبد الله البخاري قد أعله بالوقف على أبي سعيد، وكذلك فعل غيره “( ). بينما أحاديث الإذن كثيرة. والصحيح منها كثير، روينا بعضه، ومنها : إضافة إلى ما سبق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مرض موته : ( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ) ( ).
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:18 AM
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها :
أ - أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة. أي أن المنع جاء أولاً، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك. وإلى ذلك ذهب جمهرة العلماء، ومنهم ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وقد قالوا إن النهي جاء أولاً خشية التباس القرآن بالسنة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
ب- أن النهي لم يكن مطلقاً، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة. أما في صحيفتين فمأذون به.
ج- أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخراً، فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع. وهذا الذي رواه الجمهور( ).
وبهذا يسقط استدلالهم بحديث المنع الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - هذا الحديث الذي يعدونه حجر الزاوية في احتجاجهم بعدم تشريعية أو حجية السنة، ويكثرون اللجاج به كتابة ومناظرة( ).
2- أما قولهم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد فهموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن السنة ليست شرعاً فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها ؛ فهذا من الكذب والمكابرة، والمطلع على المدونات في كتب السنة، وتاريخ العلوم، وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وبخاصة موقف الصحابة – رضوان الله عليهم – من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق، إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور. فقد كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وحفظها، والعمل بها، بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحدث عنه البخاري بسنده المتصل إليه. يقول : " كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نـزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك"( ) وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعها والالتزام بها ...
وقد كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم. يروي البخاري عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - “ أن امرأة أخبرته أنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة. فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما ؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (كيف وقد قيل ؟ ) ففارق زوجه لوقته وتزوجت بغيره ..
وكان الصحابة – رضي الله عنهم – حريصين على أن يسألوا أزواج النبي – رضوان الله عليهن – عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن، وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
بل لقد بلغ من حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على الالتزام بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك، ثقة منهم بأن فعله - صلى الله عليه وسلم - وحي. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : " اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ( إني لن ألبسه أبداً ) فنبذ الناس خواتيمهم "( ).
وروى القاضي عياض في كتابه " الشفا " عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال : ( ما حملكم على إلقاء نعالكم) ؟ قالوا : يا رسول الله رأيناك ألقيت نعليك، فقال : ( إن جبريل أخبرني أن فيهمــا قذرا) ( ).
وأورد ابن عبد البر في “ جامع بيان العلم وفضله " عن ابن مسعود - رضي الله عنه " أنه جاء يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فسمعه يقول : ( اجلسوا ) فجلس بباب المسجد - أي حيث سمع النبي يقول ذلك - فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : (تعال يا عبد الله بن مسعود) ( ).
إلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على معرفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع أحواله، والالتزام بها، والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم - كما فعل عبد الله بن مسعود -، ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل - كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة، ونبذهم خواتيم الذهب -، ولم يكن ذلك إلا استجابة لله - تعالى - في أمره بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به كما في قوله - عز وجل - : ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [ (الأحزاب:21 ). ثم استجابة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمره الأمة باتباع سنته والالتزام بها، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خذوا عني مناسككم ) ( ). وقوله - عليه الصلاة والسلام - : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ). وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : ( من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ( ). وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ( ).
هذا قليل من كثير مما يبين موقف الصحابة - رضوان الله عليهم - من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو موقف يتسم بالحرص الشديد والاهتمام البالغ على معرفة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفظها والالتزام بها، بل وتبليغها إلى من يسمعها استجابة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (نضر الله امرأ سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع ) ( ).
ومن هذا يتبين مدى كذب أعداء السنة وأعداء الله ورسوله في ادعائهم الذي سلف ذكره.
3- وأما دعواهم بأن كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، وكان عمر - رضي الله عنه -( ) يتهدد رواة السنة، وأنه نفذ وعيده فحبس ثلاثة من الصحابة بسبب إكثارهم من رواية السنة ؛ فهذا كذب يضاف إلى ما سبق من دعاواهم الكاذبة، وفيه جانب من التدليس الذي لا يخلو عنه كلامهم.
أما أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يكرهون رواية الحديث، فهذا باطل، والحق أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك، لعظم المسؤولية، ووعيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من يكذب عليه. في قوله - عليه السلام - ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ( ). ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - بين أمرين هم حريصون على كل منهما ؛ أولهما : تبليغ دين الله إلى من يليهم من الأمة، ثانيهما : التثبت والتحري الشديد لكل ما يبلغونه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لذلك كان الواحد منهم يمتقع وجهه، وتأخذه الرهبة وهو يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فالصواب - إذن - أن الصحابة كانوا يهابون رواية الحديث بسبب شدة خوفهم من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو الخطأ فيما يروون. وليس كما يزعم هؤلاء، أن ذلك لأنهم كانوا يرون السنة غير شرعية، أو أنها ليست مصدراً تشريعياً.
أما دعوى حبس عمر - رضي الله عنه - ثلاثة من أصحابه هم : عبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وأبو الدرداء - رضي الله عنهم – ؛ فهذه رواية ملفقة كاذبة، جرت على الألسنة، وقد ذكرها البعض كما تجري على الألسنة وتدون في كتب الموضوعات من الأحاديث والوقائع، فليس كل ما تجري به الألسنة أو تتضمنه بعض الكتب صحيحاً، وقد تولى تمحيص هذه الدعوى الكاذبة الإمام " ابن حزم " – رحمه الله – في كتابه : “ الإحكام “ فقال : ((وروي عن عمر أنه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر من أجل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد أن طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع محصها شرعاً فقال : “ إن الخبر في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو : إما أن يكون عمر اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه. أو يكون نهى عن نفس الحديث وتبليغ السنة وألزمهم كتمانها وعدم تبليغها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقول به مسلم، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين فلقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات أي الطريقين الخبيثين شاء "( ).
هكذا يتضح كذب ادعائهم وفساد ما بنوه على هذا الادعاء.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:18 AM
الشبهة الرابعة :
خلاصة شبهتهم هذه ؛ أن الإسلام جاء يدعو إلى أمة واحدة تحت راية كتاب الله القرآن – يقـــول الله - تعالى - ] إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [ ( الأنبياء:92). وقد جاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوال حياته الشريفة لتحقيق هذه الغاية، حتى نجح في ذلك بفضل اعتماده القرآن وحده، وترك الأمة على ذلك .. وقد ظلت الأمة واحدة طالما كانت تحت راية القرآن وحده. حتى جاءت المؤامرة التي قام بها مدونو كتب السنة. حيث تسببوا بتدوين السنة، والدعوة إليها، وشغل الناس بها إلى تفريق الأمة، وقد جاء الفقهاء فبنوا على السنة، فازدادت الأمة افتراقاً، ولو أن الأمة تركت السنة وعادت إلى القرآن وحده لخرجت من فرقتها، وعادت إليها وحدتها وعزتها وأخذت مكانتها بين الأمم المتقدمة.
ولأن السنة هي سبب تفرق الأمة وتصدع وحدتها ؛ فلم يقم بها، ولم يشتهر بالتدوين فيها عربي واحد، بل كان جميع المشتغلين بالسنة من أهل فارس، وبخاصة الكتب الستة، فإن الذين دونوها وشغلوا الناس بها من الفرس الحاقدين على الإسلام، وقد وضعوا كتبهم للكيد للإسلام وتصديع وحدة الأمة المسلمة، فتدوين كتب السنة - إذن - كان مؤامرة فارسية سقطت في أتونها الأمة المسلمة، يقول " عبد الله جكرالوي " " لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم فكر واحد، ما داموا مستمسكين بروايات زيد وعمرو"( ). ويقول " حشمت علي " : " لن تتحقق وحدة المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة رسول الله "( )، ويقول " برويز " : " قد فاق تقديس هذه الكتب - كتب السنة - كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية، استهدفت النيل من الإسلام وأهله، ثم يفسر تلك المؤامرة ويبين القائمين بها فيقول " فما أصحاب الصحاح الستة إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم جميعاً إيرانيين، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم "( ).
الرد على الشبهة وتفنيدها :
إن هذه الشبهة تذكرنا بالمثل : " رمتني بدائها وانسلت ". أو ما يقول علماء النفس عن داء " الإسقاط " وهو داء نفسي يبتلى به بعض الناس المصابين بنقائص معينة، فحتى يبرئ نفسه منها يسارع فيسقطها على الآخرين ويتهمهم بها .. فهؤلاء أعداء السنة، وأعداء الدين، وأعداء أمة المسلمين، هم الذين خرجوا على إجماع الأمة، ومن قبل ذلك خرجوا على القرآن المجيد كتاب الله الذين ينسبون أنفسهم إليه ظلماً وزورا، وخرجوا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وأعداء القرآن والسنة، فهؤلاء هم الذين صدعوا وحدة الإسلام والأمة، وفرقوا كلمتها، وخرجوا على جماعتها. هؤلاء يأتون فيرمون أهل السنة، أهل الإسلام، جماعة المسلمين بأنهم هم الذين فرقوا الأمة. وهؤلاء الذين خرجوا على جماعة المسلمين برفضهم السنة النبوية، يرمون الأمة المسلمة بأنها خرجت عليهم وفرقت المسلمين بتمسكهم بالسنة النبوية المطهرة .. فهل يوجد ثمة تبجح وادعاء، ومكابرة، وقلب للأوضاع، ورمي للأبرياء بما فيهم من أدواء، كمثل هذا الذي فعله منكرو السنة في شبهتهم هذه ؟ ] سبحانك هذا بهتان عظيم [ ( النور:16).
ثم إن هؤلاء الذين يتهمون المسلمين المتمسكين بالسنة النبوية بأنهم تفرقوا بسبب استمساكهم بالسنة، وعدم اقتصارهم على القرآن وحده، وقد زعموا أنهم مقتصرون على القرآن وحده طلباً لوحدة الأمة ؛ نقول : هل أفلح هؤلاء في أن يكونوا فريقا واحدا ؟ إنهم بعد أن تركوا السنة طلبا للوحدة - كما يزعمون زوراً - تحولوا فيما بينهم إلى طوائف وفرق، وكل فرقة تحاول أن تنتشر على حساب الأخرى، وتستقطب أتباع الأخرى، لِمَ لم يتوحدوا هم في فرقة واحدة إذا كان مطلبهم الوحدة ؟
إننا حين سمعنا بهم ونحن بإسلام أباد بباكستان، كنا نظنهم فرقة واحدة، وظل ذلك ظنا لدينا حتى اجتمعنا ببعضهم " بكراتشي " وبعد أن انفض الاجتماع وكنا نستعد للسفر إلى مدينة " هاري بور " للقاء " بير عبد الدايم " زعيم " البريلويين " هناك للنظر في عقائد هؤلاء الناس، فوجئنا بمضيفنا يقول : هناك طائفة أخرى يمكن أن تجتمعوا ببعض رؤسائها إذا انتظرتم إلى الغد .. فعرفنا أنهم طوائف. ثم إنهم ينعون على الأمة المسلمة المذاهب الفقهية، ويسمون ذلك تفرقاً وتشتتاً، فهل أفلحوا هم في أن يكونوا مذهباً واحداً في الفقه ؟ " لنأخذ الصلاة مثالاً للواقع الملموس بينهم، فمن قائل بأدائها خمساً، وآخر أربعاً وثالث ثلاثا والرابع مرتين في اليوم والليلة، وكل صاحب رأي من هذه الآراء يزعم أنها صلاة القرآن، وأما اختلافهم في جزئياتها من حيث عدد الركعات والهيئة فحدث عنه ولا حرج "( ).
أما الزعم بأن كل الذين دونوا السنة وجمعوها وميزوها من الأعاجم المتآمرين على أمة الإسلام فذلك كذب صراح وافتراء بواح في شقيه ؛ في الزعم بأن مدوني السنة جميعهم عجم، وفي الزعم بأن التدوين كان مؤامرة.
أما الشق الأول فيكذبه الواقع، فإن أول من دون السنة وجمعها كانوا عربا صرحاء، فقد بدأ الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة - رحمه الله - وذلك في موطَّئه. وجاء بعده الحميدي القرشي في مسنده، وجاء بقية السلف الصالح في عصره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، وهكذا تتابع التدوين، وهؤلاء الأوائل جميعهم عرب صرحاء. أما عن الكتب الستة ؛ فدعواهم أن واضعيها من العجم كذب وافتراء. فالإمام مسلم والإمام الترمذي والإمام أبو داود جميعهم من العرب، فكيف يقال إنهم من العجم ؟ وإنهم صنعوا بذلك مؤامرة على المسلمين ؟
إن هؤلاء يقلبون الأوضاع، ويعكسون الأمور، ويرمون الأبرياء بما هم فيه من بلاء، فمن هم الذين يتآمرون على الإسلام والمسلمين ؟ ومن هم الذين فارقوا الجماعة، وفرقوا الأمة ؟ هل هؤلاء هم البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه ؟ هؤلاء الأئمة الأعلام الذين حفظ الله بهم دينه، وذلك بحفظهم وحفاظهم سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إن هؤلاء هم الذين - حفظ الله - بهم دينه، وعصم الله - تعالى - بهم الأمة عن التفرق والشتات، إن المرء ليعجب كيف يصل التبجج والافتراء إلى مستوى يتهم فيه عاقل - حتى ولو لم يكن مسلماً - إماماً كالبخاري أو مسلم بأنه فرق الأمة وتآمر على الإسلام( ).
إن الواقع الملموس يبين أن هؤلاء الكافرين بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخارجين عن طاعة الله - تعالى - وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هم المتآمرون على الإسلام، المفرقون أمة المسلمين، المارقون من الدين، الشاذُّون عن الجماعة.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:19 AM
الشبهة الخامسة :
وهذه الشبهة ليست من إنشائهم، بل قال بها بعض منكري السنة السابقين، وبخاصة هؤلاء الذين اتخذوا من الاعتزال ستاراً يخفون وراءه زندقتهم، ثم يهاجمون الإسلام، من أمثال النظام وبشر المريسي وغيرهم.
وهذه الشبهة تقوم عندهم على الزعم بأن الاحتكام إلى السنة والالتزام بها مؤدّ إلى الشرك والكفر. فإن الاسلام يقوم على أن الحاكم هو الله وحده، وأن الحكم له وحده - سبحانه - يقول - تعالى - : ] إن الحكم إلا لله [ (الأنعام:57 و يوسف:40،67 ). ويقول - عز وجل - : ] ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين [ ( الأنعام:62). وإذا كان الإسلام يقوم على أن الحكم لا يكون إلا لله - سبحانه - ؛ فإن الاحتكام إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه إشراك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحكم مع الله - سبحانه -، وذلك كفر وشرك. ولا خروج من ذلك الشرك والكفر إلا بالاحتكام إلى كتاب الله القرآن وحده، ونبذ السنة وعدم اعتبارها.
الرد على الشبهة وتفنيدها :
هذه الشبهة تقوم على أمرين فرغنا من الحديث عنهما :
الأمر الأول : أن السنة ليست وحياً من عند الله - تعالى - وبالتالي فليست شرعاً يحتكم الناس إليه.
الأمر الثاني : أن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليست من طاعة الله - سبحانه - بل بين طاعة الرسول وطاعة الله تعارض وتضارب، بحيث تكون طاعة الرسول نقضاً لطاعة الله - تعالى -، وبذلك يتحقق كونها عندهم شركا بالله.
وهذان الأمران قد سبق أن أوفينا الكلام فيهما. حيث أثبتنا أن السنة النبوية وحي من عند الله - سبحانه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق إلا بوحي الله - تعالى -، ويكفي هنا أن نذكر بقول الله - عز وجل - في حق رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ] وما ينطق عن الهوى% إن هو إلا وحي يوحى [ (النجم:3-4 ). وكذلك قد بينا أن السنة شرع الله - سبحانه - كما أن القرآن شرع الله - عز وجل -، وقد بينا - آنفاً - أن السنة بمنزلة القرآن من حيث حجية التشريع ومصدريته، ويكفي - كذلك - أن نذكر هنا بقول الله - عز وجل - مخاطباً رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ] فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممـا قضيت ويسلموا تسليما [ ( النساء:65) ، ويقول الله – سبحانه - : ] إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكـم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [ ( النور:51).
فهذه الآيات نصوص قرآنية قاطعة في أن السنة النبوية وحي من عند الله - تعالى -، وأن كل ما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يفعل - فيما يتصل بأمور الدين - إنما هو الحق من عنـد الله، وكذلك تدل الآيات على وجوب الاحتكام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والرضا بما يحكم به، والتسليم والإذعان لذلك. وأن من لم يحتكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرض بحكمه هو خارج عن الإيمان، وليس له حظ من الإسلام.
أما كون طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجبة على المسلم، وأنهـا من طاعة الله – تعالى -، فقد أوفينا الكلام عنها كذلك. ويكفي أن نذكر بقول الله – عز وجل : ] من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا [ (النساء:80 ).
فهذه آيات قاطعات في أن الاحتكام إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته إنما هو احتكام إلى الله تعالى - وطاعة له - سبحانه - وقد قال الله - تعالى - : ]من يطع الرسول فقد أطاع الله [. وهؤلاء يقلبون الآية القرآنية فيزعمون أنه " من يطع الرسول فقد أشرك بالله “ - عياذاً بالله، وليس بعد هذا الضلال ضلال.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:19 AM
الشبهة السادسة :
وتتمثل هذه الشبهة في زعمهم ؛ أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال ليس لها صفة العموم الزماني والمكاني، إذ هي أحكام أصدرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في زمانه وفقاً لظروف أصحابه الذين كانوا معه، وظروف أصحابه كانت مرتبطة بهم وبزمانهم ومكانهم وأحوالهم الخاصة بهم. وقد انقضى ذلك الزمان بأشخاصه وظروفهم وأحوالهم، وقد تغير الزمان، وتغيرت الظروف، ومن ثم لم تعد تلك الأقوال والأفعال الخاصة بذلكم الزمان، صالحة لزماننا ولا لظروفنا، ويترتب على ذلك أن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي كانت واجبة على أصحابه في زمانه، لم تعد واجبة علينا، ولا سنته التي كانت ملزمة لهم ملزمة لنا.
الرد على الشبهة وتفنيدها :
إن القول بهذه الشبهة مبني على الزعم بأن السنة ليست وحياً، وليست شرعاً، وقد سبق أن رددنا على ذلك. لكن هذه الشبهة تثير قضية أخرى زيادة على ما تقدم. وهي قضية الأحكام الشرعية التي وردت في أسباب خاصة، وهذه في القرآن المجيد يُعَنْون لها بـ " أسباب النزول ". وقد ورد جانب كبير من الأحكام الواردة في القرآن الكريم على هذا النحو، أي نزل في أسباب خاصة كما في أحكام الظهار في أول سورة المجادلة. لكن العلماء لم يذهبوا إلى القول بأن هذه أحكام خاصة بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وبزمانهم ولم تعد صالحة لزماننا، بل وضعوا القاعدة الأصولية المشهورة والتي يعرفها عامة المسلمين، والتي تقول " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ". ومقتضى هذا أن الحكم ينزل في واقعة معينة، ثم يطبق على كل ما يماثلها وحتى آخر الزمان.
ومثل هذا الذي قيل في أحكام القرآن المجيد، قاله العلماء في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يفرقوا بين القرآن والسنة في ذلك لكونهما وحي الله - تعالى - إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالقرآن وحي الله، والسنة وحي الله. وقد سبق أن بينا ذلك بإفاضة.
والقول باقتصار السنة على زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضوان الله عليهم - مؤدٍّ - بالضرورة - إلى القول بمثل هذا في القرآن المجيد، لأن ثمة تلازما بين القرآن والسنة من حيث التشريع والحجية، ومن حيث إنهما خطاب للخلق من الجن والإنس في كل زمان ومكان. وإلا فماذا نقول في الآيات القرآنية التي وردت تأمر الأمة المسلمة بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله - تعالى - : ] وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون [ (النور:56 ). هذا الأمر إما أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، وصلاحيته هذه قائمة إلى قيام الناس لرب العالمين، فتكون السنة المأمور بطاعة الرسول فيها قائمة ومستمرة، ويكون كلامهم باطلاً، أما إذا كانت السنة - كما يزعمون غير صالحة بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيكون الأمر باتباعها وطاعة صاحبها كذلك غير صالح بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويؤول الأمر إلى أن يقولوا في القرآن بمثل ما قالوا في السنة، فتكون جميع الآيات الآمرة بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كثرتها، وتنوع صيغها، وكذلك الآيات التي تحض على الاحتكام إليه، وجعل ذلك علامة الإيمان، وكذلك الآيات التي تجعله - صلى الله عليه وسلم - قدوة وأسوة، كل ذلك يكون مفرغ المعنى، وقد مضى عهد صلاحيته بانتهاء عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وهذا ما لا يقول به عاقل. ولا يقولون هم به، ليس لأنهم عقلاء فاهمون، بل لأنهم ينسبون أنفسهم إلى القرآن، ويصفون القرآن بأنه - وحده - صالح لكل زمان ومكان. ولا يدرون أن مِعْوَلَهم الذي شهروه لهدم السنة هو في ذاته مُشْهر لهدم القرآن الذي ينتسبون إليه ظلماً وزورا ،. لكن الله - تعالى - حافظ دينه بحفظ كتابه وسنة رسوله، ولو كره الكافرون.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:19 AM
الشبهة السابعة :
تقوم شبهتهم هذه على أن الله - تعالى - قد تكفل بحفظ كتابه القرآن. وذلك في قوله - عز وجل - : ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ ( الحجر:9). لذلك ظل القرآن هو الحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يحرف ولم يبدل، ولم تدخله كلمة ولا خرجت منه كلمة، ولم يرو بغير لفظه ومعناه، أما السنة فلم يتكفل الله - سبحانه - بحفظها، ولذلك داخلتها الموضوعات المحضة من جانب - أي التي لم يقلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بلفظها ولا بمعناها -، ومن جانب آخر ضاعت ألفاظها ورويت بالمعنى، وذلك فيما لو صح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالها. فكان ضياع ألفاظها سببا في عدم معرفة المعنى الذي أراده الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حتى ليصح أن يقال إن السنة كلها أضحت موضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما كان منها موضوعاً بلفظه ومعناه، وما كان منها موضوع المعنى بسبب ضياع ألفاظه وروايتهم إياه بالمعنى، يقول "برويز": " اعلم أن الله - تعالى - لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، ولذا لم يجمع الله الأحاديث، ولا أمر بجمعها، ولم يتكفل بحفظها "( ). ويقول " عبد الله جكرالوي " " بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمئات السنين نحت بعض الناس هذه الهزليات من عند أنفسهم ونسبوها إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو منها بريء "( ).. ويقول " مقبول أحمد " : " تنقيح الأحاديث من البحر الهائج المكذوب كتطهير الطعام المسموم، غير أن الحذر والحيطة يقتضيان عدم الأكل من ذلك الطعام "( ).
ويقولون أيضاً : إن كفالة الله - تعالى - بحفظ كتابه القرآن، مع عدم كفالته بحفظ السنة دليل واضح على أن الدين ليس بحاجة إلى السنة. وأنها ليست من الدين، ولا هي ضرورية له. إذ لو كانت من الدين وضرورية له لحفظها الله كما حفظ القرآن. ( )

الرد على الشبهة وتفنيدها :
إن الله - عز وجل - أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله – سبحانه-، لذا كان جديراً بأن يحفظه الله - سبحانه - ويصونه أن يحرف أو يبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.
أما السنة فهي وحي الله - تعالى - إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أوحى الله - تعالى - بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم صاغها النبي بكلامه. ولأن السنة ليست كلام الله - تعالى - فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أو حدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطاً بحيث لا تجوز روايته الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.
ورأس هذه الشروط أن يكون عارفاً بالعربية، عالماً بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيراً بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك. فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أماناً من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها. وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.
أما الزعم بأن الله - تعالى - لم يحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن كان المراد أنه - تعالى - لم يحفظها بألفاظها. فهذا مسلم، وقد بينا أن السنة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولو رويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى. وقد روى الخطيب البغدادي أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت لعروة بن الزبير " بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها : أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت : هل تسمع في المعنى خلافاً ؟ قال : لا، قالت : لا بأس بذلك "( ). فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أو انضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.
أما إن كان المراد أن الله - تعالى - لم يحفظ السنة مطلقاً لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضيعت ؛ فذلك كذب وافتراء على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السنة عبر تاريخ الإسلام.
والحق أن الله - سبحانه - تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله - تعالى - ضمنياً بحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السنة التي تبينه، كما قــال – عز وجل - : ] وأنزلنا إليك الذكر لتبيــَّن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ (النحل:44). فالسنة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين. فمن حفظ الله - تعالى - كتابه أن يحفظ السنة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليهــا ومن حفظ الله - تعالى - دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما. لذلك كان من قدر الله - سبحانه - أن هيأ لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السنة ما لم يعرف له تاريخ العلوم والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد. وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله - تعالى - وهداية وتأييد. فقد ابتدعوا نظاماً لحفظ السنة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع. واخترعوا من الوسائل المعرفية والمناهج العلمية ما هو معجز في بابه، كل ذلك على غير مثال سابق لا عند العرب، ولا عند غير العرب ممن كانت لهم ثقافات وفلسفات، وكانت لهم أديان، وكانوا الأكثر حاجة إلى تمحيص مكتوباتهم وأسفارهم الدينية، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء الإسلام ولا إلى قريب منه. وقد شهدت الأمم جميعها بأن علماء السنة قد أتوا في باب جمعها وتصنيفها، وتمييزها، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع. ما لم تعرفه الأمم من قبل. والسؤال : هل كان هذا يمكن أن يتم دون توفيق من الله - سبحانه - وهداية ومعونة وإرشاد ؟ ..إنه توفيق الله - تعالى- لحفظ سنته الذي هو من حفظ كتابه، لحاجة الكتاب إلى السنة في بيانه وتفصيله، وحاجة دين الله الإسلام إلى الكتاب والسنة جميعاً.
أما زعمهم بأن السنة أضحت خليطاً لا يعرف منها الصحيح من الموضوع ؛ فذلك كذب وافتراء بل تبجح ومكابرة، فإن أقل الناس ذكاء ومعرفة بالسنة تكفيه زيارة واحدة لإحدى المكتبات الحديثية التي تضم كتب السنة أو بعضها ليدرك - بعد تصفح لعناوين هذه المدونات وبعض ما فيها - أن الله - تعالى - حفظ سنة نبيه، وأن كتب الصحاح والسنن موجودة ينهل منها المسلمون الزاد النافع لهم في الدنيا والدين. رغم أنوف هؤلاء الكافرين - منكري السنة - أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين.
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:20 AM
الخاتمة :
هذه مجمل الشبهات التي تقول بها طائفة منكري السنة " القرآنيون ". تلك الطائفة التي بدأت حركتها بالهند في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي، ثم انتقلت بمعظم أنشطتها ومؤسساتها إلى باكستان بعد استقلالها عن الهند وما تزال تزاول حركتها الهدامة تحت اسم "البرويزيين" وقد اقتصرنا في بحثنا على الشبهات التي قال بها هؤلاء ابتداء، أو أخذوها عن غيرهم من السابقين ثم حوروا فيها وأضافوا إليها.
وقد ذكرنا كل شبهة وأردفناها بالرد عليها وتفنيدها .. وقد توخينا أن تكون ردودنا عليهم معتمدة أساساً على القرآن المجيد الذي ينسبون أنفسهم إليه ظلماً وزورا. وذلك إلزاماً لهم مـن خلال ما يزعمون الانتساب إليه والاقتصار عليه، وحتى لا يحتجوا بأننا نلزمهم ما لا يلتزمون به.
وقد بان لنا من خلال البحث جملة من الحقائق عن هذه الطائفة نوجزها فيما يلي :
أولاً : هذه الطائفة نشأت ابتداء على أيدي الإنجليز الذين كانوا يستعمرون الهند، فهي صنيعة من صنائع الكفار أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وهي حركة من الحركات الكثيرة التي قام بها الإنجليز في هذه المنطقة لهدم الإسلام وتفريق المسلمين، من مثل " القاديانية " و "البريلوية" وغيرهما.
ثانياً : أثبتنا عند حديثنا عن رؤوس هذه الحركة أنهم كانوا على اتصال دائم وقوى بالإنجليز، وكان الإنجليز وراء حركاتهم تلك، وكانوا يمدونهم بالعون المادي والمعنوي، بل كان بعض هؤلاء على اتصال بحركة المنصرين بالهند.
ثالثاً : هذه الحركة بجميع طوائفها خارجة عن الإسلام، فاسقة عن الملّة، وإن زعمت لنفسها الإسلام، وانتسبت إلى القرآن. وإن انتسابها إلى القرآن باطل، لأنها كفرت بالقرآن في نفس اللحظة التي كفرت فيها بالسنة، فإنه لا تفرقة بين القرآن والسنة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، هي مشكاة الوحي الإلهي المعصوم.
رابعاً : يتضح من كل ما تقدم أن هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام وتفريق الأمة المسلمة. وأن انتسابهم إلى القرآن إنما هو ستار يتخفون وراءه ليزاولوا تحت شعاره أنشطتهم الهدامة، وحركاتهم التخريبية.
ونأمل أن نكون من خلال بحثنا هذا قد استطعنا أن نوضح هذه الحقائق فضل توضيح .
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:20 AM
شبهات القرآنيين



بحث مقدم لندوة (عناية المملكة بالقرآن الكريم وعلومه) التي نظمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة في الفترة 4 - 7/6/1421ه‍

عثمان بن معلم محمود بن شيخ علي__________________



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد  وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، ثم إن الله رضي لنا الإسلام ديناً وأتم علينا النعمة بكتابه الداعي إلى اتباع رسوله محمد وطاعته وتعزيره وتوقيره ، وأخذ ما أتى به والانتهاء عما عنه نهى ، ولا يقبل الله دعوى من ادعى محبته سبحانه حتى يتبع نبيه محمداً  ، وجعل طاعة الرسول  طاعته ، وضمن الهداية لمن أطاعه  .
تصديق ذلك في الآيات الآتية :
قال تعالى :  قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون  (الأعراف : 158 ).
وقال سبحانه :  قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين  (آل عمران : 32 ).
وقال جلّ وعلا :  يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم  (محمد : 33 ) .
وقال عز من قائل :  إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً . لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه  (الفتح : 8 و 9).
وقال سبحانه :  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا  (الحشر : 7 ).
وقال تعالى :  قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم (آل عمران :31 ) .
وقال سبحانه :  وإن تطيعوه تهتدوا  (النور : 54) .
وحثّ الرسول  على الاعتصام بسنته بعد وفاته فقال : (( إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ )) وحذّر من الابتداع الذي من هجر سنته فقال بعد الكلمات السابقة : (( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )) ( ) كما أخبر بالمترفين الذين يأتون بعده فيأبون من سنته فقال : (( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه))( ).
فقد أخبر الله نبيه بما سيقع في أمته ، فوقع كما أخبر دليلاً على نبوته ورسالته ، وقد طابق خبره المخبر ، وتتابعت الفرق الضالة على ردّ سنته وإلغاء حكمه من مقلّ ومستكثر من القرن الأول إلى اليوم .
ومن تلك الفرق المارقة الجماعة التي اتخذت " أهل القرآن " اسماً لها ، وحلّت نفسها بحليته وهي عاطلة منه .
كان نشوءها في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري في شبه القارة الهندية على يد زمرة من أبناء تلك البقعة التي تفرّعت فيما بعد إلى ثلاث دول .
وكان هؤلاء المؤسسون ممن تأثروا بالفكر الغربي ورأوا في التمسك بالسنة عائقاً عن التقدم ومضعفاً للجامعة الإسلامية وتنفيذاً لمؤامرة أعجمية ، فجاءوا بما لم يأت به من سبقهم من أهل الضلال ، فأنكروا حجية السنة كلياً وعدُّوا اتباعها شركاً ولم يفرّقوا بين متواترة مجمع عليها وغير ذلك بل سلكوا مسلكاً واحداً وهو الردّ والدفع ، وقاموا بتأليف الجمعيات وإصدار الكتب والرسائل والمجلات في الصدّ عنها وإثارة الشبه في وجهها ، فأقام الله لدفعهم من شاء من أهل العلم فصنّفوا الكتب والرسائل وأصدروا الفتاوى في تكفيرهم والتحذير منهم ، وكان ممن انتبه لخطرهم مبكراً العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – فأصدر منذ أربعين سنة تقريباً فتوى في تكفير زعيمهم الأخير اللاهوري النشط غلام أحمد برويز( ) ونُشرت الفتوى في الصحف السعودية في وقتها مما يدلّ على إسهام علماء هذا البلد في درء فتنة إنكار السنة وتحصين الأمة من سمومها وصيانة القرآن الكريم من عبث العابثين وتحريف المارقين الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
ولما كان خطرهم مستمراً ولم ينفكوا يدعون الناس إلى ضلالهم ولم يبرح بعض الناس ينخدع بهم أحببت أن أشارك في التحذير منهم لعلّ الله ينفع بما كتبت من شاء من عباده فيتقوا حيل منكري السنة فلا يقعوا في حبائلهم أو يغتروا بمعسول كلامهم .
ولا يفهمن أحد من تسمية هذه الفرقة بالقرآنيين أنه مدح لهم أو تعبير عن شدّة تمسكهم بالقرآن ، كلاّ ، بل الواقع أن هذه التسمية آتية لهم من حيث إنهم تنكروا للقرآن ورفضوا ما ثبت فيه من اتباع الرسول  وطاعته مما نشأ عنه ضلال كبير في تطبيق الأوامر القرآنية فخرجوا بذلك عن جماعة المسلمين ، فسمّوا قرآنيين من ذلك الجانب .
وهذا له نظير في تسمية فرقة القدرية إذ سُموا بذلك لا لأنهم أثبتوا القدر وسلّموا له ، ولكن من حيث إنهم أنكروه ونفوه( ) .
وليس فيما سوّدت هذه العصابة أثارة من علم ، أو بقية من بحث ، فإن العلم إما نقل مصدّق ، أو بحث محقق ، وما سوى ذلك فهذيان مزوّق .
وإنما سلكوا فيما سوّدوا من صحائف مسالك السفهاء المارقين والزنادقة الملحدين ، ولم تكن ضلالاتهم عن شبهات مؤثرة أو إيرادات محيّرة ، وإنما كانت عماياتهم من جرّاء وساوس شيطانية وأهواء نفسية أو عمالات استعمارية( ) .
فاستعنت الله على ردّ باطلهم، وأدرت البحث على مقدمة وفصلين، أما المقدمة فهذه قد أوشكت على الانتهاء .
وأما الفصل الأول ففي ثلاثة مباحث
المبحث الأول في ضرورة اعتماد السنة لسلامة فهم القرآن .
المبحث الثاني في إبراز شيء من دفاع أهل العلم عن السنة .
المبحث الثالث في حكم منكر السنة .
الفصل الثاني في شبه فرقة القرآنيين منكري السنة في شبه القارة الهندية والرد عليها ، وهي ثماني شبه .
وكلّ ما نقلته من شبهات القرآنيين فعن " القرآنيون وشبهاتهم حول السنة " أخذته ، وما سوى ذلك فقد حرصت على أن أرجع إلى المصادر الأصيلة .
فما كان في بحثي من صواب فمن الله وحده هو المانّ به ، وما كان فيه من خطإ فمنّي ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:26 AM
الفصل الأول :
المبحث الأول: ضرورة اعتماد السنة لسلامة فهم القرآن
أنزل الله القرآن تبياناً (( لكل شيء من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم ؛ مثل بيان رسول الله  أو إجماع
المسلمين )).
هكذا فسّر ابن الجوزي( ) قوله تعالى :  ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء  (النحل : 89) . ونسبه إلى العلماء بالمعاني .
وقال تعالى :  ما فرطنا في الكتاب من شيء  يُعنى بالكتاب اللوح المحفوظ في قول ابن عباس الثابت عنه ، قال : (( ما تركنا شيئاً إلا وقد كتبناه في أمّ الكتاب )) . وتبعه قتادة وابن زيد .
وفُسِّر الكتاب بالقرآن في القول الثاني لابن عباس ، قال : (( ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم )) .
قال ابن الجوزي : (( فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المعنى : ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبينّاه في الكتاب إما نصاً وإما مجملاً وإما دلالة ))( ) .
وقال القرطبي : (( ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ، إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من الإجماع ، أو من القياس الذي( ) ثبت بنص الكتاب، قال الله تعالى :  ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء  وقال :
 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم  وقال :  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء إلا ذكره ، إما تفصيلاً وإما تأصيلاً ؛ وقال :  اليوم أكملت لكم
دينكم  ( ) .
وعلى كثرة نظري في كتب التفسير لاستجلاء معنى الآيتين لم أر من فهم منهما أن القرآن لا يحتاج إلى بيان النبي  ، ومن خالف ما أجمع عليه المفسرون ظهر زيغه وانحرافه .
وقد كان الصحابة أرباب الفصاحة والزكانة وكانوا مستغنين عن علوم الوسائل التي افتقر إليها المتأخرون ، بيد أنهم احتاجوا إلى تفسير النبي  ، فبين (( أن الظلم المذكور في قوله :  ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  هو الشرك، وأن الحساب اليسير هو العرض ، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض النهار وسواد الليل ، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل ، كما فسر قوله :  أو يأتي بعض آيات ربك  أنه طلوع الشمس من مغربها ، وكما فسر قوله :  ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة  بأنها النخلة، وكما فسر قوله :  يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة  أن ذلك في القبر حين يُسأل من ربك وما دينك ، وكما فسر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، وكما فسر اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بأن ذلك باستحلال ما أحلوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه من الحلال ، وكما فسر القوة التي أمر الله أن نُعدّها لأعدائه بالرمي ، وكما فسر قوله :  من يعمل سوءاً يجز به بأنه ما يجزى به العبد في الدنيا من النصب والهم والخوف واللأواء ، وكما فسر الزيادة في قوله تعالى :  للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  (يونس : 26) بأنها النظر إلى وجه الله الكريم ))( ) .
وهي كما ترى معانٍ لا يُتوصل إليها بمجرد إتقان لسان العرب ، فلو لم يأت بها بيان الرسول  لكنا في عماية من أمرها .
فالسنة تبين مجمل القرآن ، قال تعالى :  وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال سبحانه :  كتب عليكم الصيام  وقال جل من قائل :
 ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً  ، فبين النبي  بفعله وقوله أن الصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة وبين أعداد ركعاتها وشروطها وأركانها ثم قال : (( صلوا كما رأيتموني أصلّي )) ، وبين أن الحائض لا صلاة عليها لا أداء ولا قضاء .
وكذلك الزكاة بيّن حقيقتها وعلى من تجب ؟ وبيّن أنصبتها ، وأنها تؤخذ من العين من الذهب والفضة والمواشي من الإبل والغنم والبقر السائمة مرة كل عام ، وأوجبها في بعض ما أخرجت الأرض دون بعض( ) .
(( وبيّن أن الصيام هو الإمساك بالعزم على الإمساك عما أمر بالإمساك عنه من طلوع الفجر إلى دخول الليل ))( ) .
وفرض على البالغين من الأحرار والعبيد ذكورهم وإناثهم إلا الحيّض فإنهن يقضين عدة من أيام أخر .
وبيّن الرسول  أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة وبيّن ما يلبس المحرم مما لا يلبسه وحدّد مواقيت الحج والعمرة وبيّن عدد الطواف وكيفيته ، كلّ ذلك ليس بيانه في القرآن .
وأوجب الله سبحانه قطع يد السارق فقال :  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  فبينت السنة أنها لا تقطع إلا في ربع دينارفصاعداً وأنها تقطع من مفصل الكوع .
فلو تُرِكْنا وعقولَنا لم نعرف هذه الأحكام ، فتبيّن أنه لا يُستغنى عن السنة في فهم القرآن ، وقد عرف الصحابة ذلك فكانوا يعرفون للسنة قدرها، فهذا جابر بن عبد الله يقول أثناء سرده صفة حج النبي  (( ورسول الله  بين أظهرنا ، وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ))( ) .
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله  : (( ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد)) فقال ابن له ، يقال له واقد : إذن يتخذنه دَغَلاً .
قال : فضرب في صدره وقال : أحدثك عن رسول الله  ، وتقول : لا !( ) .
وروي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه ذكر الشفاعة ، فقال رجل من القوم : يا أبا نجيد ، إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن ، فغضب عمران وقال للرجل : قرأت القرآن ؟ قال : نعم . قال : فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً ووجدت المغرب ثلاثاً ، والغداةركعتين ، والظهر أربعاً والعصر أربعاً ؟ قال : لا . قال : فعمن أخذتم ذلك ؟ ألستم عنّا أخذتمونا وأخذناه عن رسول الله  ؟ أوجدتم فيه : في كل أربعين شاة شاة، وفي كل كذا بعيراً كذا ، وفي كل كذا درهماً كذا ؟ قال : لا . قال : فعمن أخذتم ذلك ؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبي  ؟ . وقال: في القرآن  وليطوفوا بالبيت العتيق  (الحج : 29) . أوجدتم في القرآن: (( لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام )) ؟ أما سمعتم الله قال في كتابه:  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ؟! قال عمران : فقد أخذنا عن رسول الله أشياء ليس لكم بها علم( ) .
وعن أيوب السختياني أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير : لا تحدثونا إلا بالقرآن . فقال له مطرف : (( والله ما نريد بالقرآن بدلاً ؛ ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا ))( ) .
فبهؤلاء السلف فلنقتد ، ولتعظُم السنن في قلوبنا ، ولنُربّ الأجيال على احترامها وتطبيقها ، وما لم يكن يومئذ ديناً فلن يكون اليوم ديناً ، فيا تُرى من أين يأخذ القرآنيون دينهم ؟ ومَنْ إمامهم في بدعتهم ؟ ليتوبوا إلى الله قبل فوات الأوان ، وليراجعوا دينهم قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:27 AM
المبحث الثاني: خلاصة جهود من سبقنا في الدفاع عن السنة

ألّف الشافعي كتاب " الرسالة " وهو صاحب السبق في هذا الباب وصاحب الإجادة والإتقان فيه وتبعه الإمام أحمد فصنّف "طاعة الرسول "( ) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنة رسول الله  وترك الاحتجاج بها .
ثم قفاهما أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة فألف كتابه " تأويل مختلف الحديث " ردَّ فيه على أعداء السنة وبخاصة المعتزلة.
ثم تلاهم محمد بن نصر المروزي فصنّف كتابه " السنة " وأجاد فيه وأفاد ووصل إلينا ناقص الأول .
وألّف ابن عبد البر " جامع بيان العلم وفضله " وضمنه أبواباً كثيرة في الحث على لزوم السنة والدفاع عنها .
ثم جاء بعدهم أبو المظفر السمعاني فألف كتابه المستطاب " الانتصار لأهل الحديث "
ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية فصنّف منهاج السنة وأبدع فيه ، وأتى بعده تلميذه ابن قيم الجوزية فحرّر كتابه " الصواعق المرسلة " وبحث فيه مسألة خبر الواحد بما لا مزيد عليه ، كما صنَّف " إعلام الموقعين " وخصص مئات الصفحات للذبّ عن السنن .
وألف محمد بن إبراهيم الوزير اليمني " العواصم والقواصم "( ) واختصره في "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم "( ) .
وألّف السيوطي " مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة "( ) .
وألّف مصطفى السباعي " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "( ) .
ألّف عبد الحليم محمود ( … - 1398 هـ ) شيخ الأزهر الأسبق " السنة ومكانتها في التشريع "( ) .
وكتب عبد العزيز بن راشد آل حسين ( … - 1403 هـ ) " رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد "( ) .
وألف الدكتور محمد أمان الجامي " السنة ومنزلتها في التشريع
الإسلامي "( ) .
وأعدّ صالح أحمد رضا رسالة بعنوان " ظاهرة رفض السنة وعدم الاحتجاج بها " .
وكتب محمد عبد الرزاق حمزة " ظلمات أبي رية " وأبو ريّة أنكر السنة إنكاراً كلياً .
وردّ عليه أيضاً عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي في كتابه " الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء السنة من التضليل والمجازفة "( ) وكتب عبد الغني عبد الخالق " حجية السنة " وهو أقوى المعاصرين .
وألّف محمد محمد أبو شهبة " دفاع عن السنة وردّ شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين "( ) .
وكتب تقي الدين الندوي " السنة مع المستشرقين والمستعربين "( ) .
وأعدّ الدكتور أحمد محمود عبد الوهاب الشنقيطي رسالة بعنوان " خبر الواحد وحجيته "( ) طبع في الجامعة الإسلامية .
وهناك رسالة في جامعة أم القرى بعنوان " حجية السنة في التشريع الإسلامي"، ورسالة أخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعنوان "حجية السنة والرد على شبه المنكرين ".
ونشرت رابطة العالم الإسلامي كتاباً بعنوان " موقف الجمهوريين من السنة "
كما نشرت " السنة في مواجهة الأباطيل " لمؤلفه محمد طاهر حكيم( ).
كما كتب محمد ناصر الدين الألباني ثلاث رسائل إحداها " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام "( ) ، والثانية " منزلة السنة في الإسلام ، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن "، والثالثة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والأحكام"( ) .
وكتب عبد المتعال محمد الجبري "حجية السنة ومصطلحات المحدثين وأعلامهم"( ).
وألّف محمد الصادق بن محمود بسيّس التونسي( ) " دفاعاً عن السنة النبوية " .
وكتب صلاح الدين مقبول " زوابع في وجه السنة قديماً وحديثاً "( ) .
وألّف محمد لقمان السلفي " مكانة السنة في التشريع الإسلامي "( ) .
وصنّف أبو عبد الرحمن القاضي بَرهُون " خبر الواحد في التشريع الإسلامي"( ) .
وأعدّ الأمين الصادق الأمين رسالة ماجستير بعنوان " موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية "( ) .
وألّف عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين " أخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها ، مفادها ، العمل بموجبها "( ) وهي رسالته الماجستير .
وكتب عبد العزيز بن فيصل الراجحي " قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد "( ) .
وألّف خادم حسين إلهي بخش كتابه المستطاب " القرآنيون وشبهاتهم حول السنة "( ) وهو رسالته الماجستير .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:27 AM
المبحث الثالث: حكم منكر حجية السنة
لقد بيّن الرسول  أن فيمن يقرأ القرآن منافقين فقال : ((ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة : ريحها طيب وطعمها مر … ))( ) .
وأوضح الله سبحانه أنه جعل أعداء للأنبياء يناوئونهم ويصدون الناس عنهم بكلام يزخرفونه فقال تعالى :  وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً (الأنعام 112) ، فليعلم المسلمون أن كلّ كلام يخالف الشرع يزخرفه صاحبه لتمويهه والتلبيس به على الناس حتى يغتروا به ويتلقفوه. وكل عمل يخالف الشرع كذلك يزينونه حتى يروج بين الناس . فهؤلاء الأعداء الذين يتظاهرون بالإسلام ويكيدون له ليل نهار لم يَخْفَ أمرُهم على علماء الإسلام فنبّهوا الناس على سوء مذهبهم ورموهم بالكفر والإلحاد إما وصفاً أو أعياناً ، فإليك بعض ما قاله أهل العلم في منكري السنة :
قال محمد بن نصر المروزي عن المسح على الخفين : (( من أنكر ذلك لزمه إنكار جميع ما ذكرنا من السنن وغير ذلك مما لم نذكر ، وذلك خروج عن جماعة أهل الإسلام ))( ) .
قال الآجري : (( جميع فرائض الله التي فرضها في كتابه لا يعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله  .
هذا قول علماء المسلمين ، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام ودخل في ملة الملحدين ))( ) .
وقال ابن حزم : (( لو أن امرأً قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة ، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل ، وأخرى عند الفجر ؛ لأن ذلك هو أقلّ ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك ، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال ، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم ))( ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( محمد  مبعوث إلى الثقلين إنسهم وجنهم ، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله ))( ) .
وعلّق ابن دقيق العيد على طعون بعض الزائغين على حديث الذباب بقوله : ((إن هذا وأمثاله مما تُرد به الأحاديث الصحيحة إن أراد به قائلها إبطالها بعد اعتقاد كون الرسول  قالها كان كافراً مجاهراً ، وإن أراد إبطال نسبتها إلى الرسول  بسبب يرجع إلى متنه فلا يكفر ، غير أنه مبطل لصحة الحديث))( ) .
قال السيوطي : (( إن من أنكر كون حديث النبي  قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول – حجة كفر ، وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة ))( ) .
وقال المعلمي : (( منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً تقام عليه الحجة، فإن أصرّ بان كفره . ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور ، وإلا فهو عاص لله ورسوله ، والعاصي آثم فاسق . وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً ))( ) .
قال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله :
(( إن ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة، لقول الله عز وجل: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون . إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (البقرة : 159 ، 160) ))( ).
وقال أيضاً: ((من المعلوم عند جميع أهل العلم أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الإسلام وأن مكانتها في الإسلام الصدارة بعد كتاب الله عز وجل، فهي الأصل المعتمد بعد كتاب الله عز وجل بإجماع أهل العلم قاطبة، وهي حجة قائمة مستقلة على جميع الأمة، من جحدها أو أنكرها أو زعم أنه يجوز الإعراض عنها والاكتفاء بالقرآن فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، وكفر كفراً أكبر وارتدّ عن الإسلام بهذا المقال، فإنه بهذا المقال وبهذا الاعتقاد يكون قد كذّب الله ورسوله، وأنكر ما أمر الله به ورسوله، وجحد أصلاً عظيماً فرض الله الرجوع إليه والاعتماد عليه والأخذ به، وأنكر إجماع أهل العلم عليه وكذب به ، وجحده…..
…… ونبغت نابغة بعد ذلك، ولا يزال هذا القول يذكر فيما بين وقت وآخر، وتسمى هذه النابغة الأخيرة " القرآنية " ويزعمون أنهم أهل القرآن، وأنهم يحتجون بالقرآن فقط ، وأن السنة لا يحتج بها ؛ لأنها إنما كتبت بعد النبي  بمدة طويلة ، ولأن الإنسان قد ينسى وقد يغلط ، ولأن الكتب قد يقع فيها غلط ؛ إلى غير هذا من الترهات ، والخرافات ، والآراء الفاسدة ، وزعموا أنهم بذلك يحتاطون لدينهم فلا يأخذون إلا بالقرآن فقط . وقد ضلوا عن سواء السبيل ، وكذبوا وكفروا بذلك كفراً أكبر بواحاً ؛ فإن الله عز وجل أمر بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام واتباع ما جاء به وسمى كلامه وحياً في قوله تعالى :  والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى  (النجم:1-4)، ولوكان رسوله لا يتبع ولا يطاع لم يكن لأوامره ونواهيه قيمة .
وقد أمر  أن تبلغ سنته ، فكان إذا خطب أمر أن تبلّغ السنة ، فدل ذلك على أن سنته  واجبة الاتباع وعلى أن طاعته واجبة على جميع الأمة … ومن تدبر القرآن العظيم وجد ذلك واضحاً ))( ) .
وكفّر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز زعيم القرآنيين غلام أحمد برويز ، وذلك في تعقيب له على مجلة الحج " التضامن الإسلامي " التي نشرت استفتاء من الشيخ محمد يوسف البنوري عن حكم الشريعة في غلام أحمد برويز وقدّم عشرين نموذجاً مما تكلّم به برويز أو سطّرت يده ، فقال ابن باز رحمة الله عليه: (( كلّ من تأمل هذه النماذج المشار إليها من ذوي العلم والبصيرة يعلم علماً قطعياً لا يحتمل الشك بوجه مّا أن معتنقها ومعتقدها والداعي إليها كافر كفراً أكبر مرتد عن الإسلام ، يجب أن يستتاب ، فإن تاب توبة ظاهرة وكذّب نفسه تكذيباً ظاهراً يُنشر في الصحف المحلية ، كما نشر فيها الباطل من تلك العقائد الزائفة وإلا وجب على وليّ الأمر للمسلمين قتله ، وهذا شيء معلوم من دين الإسلام بالضرورة ، والأدلة عليه من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم كثيرة جداً لا يمكن استقصاؤها في هذا الجواب ، وكل أنموذج من تلك النماذج التي قدمها المستفتي من عقائد غلام أحمد برويز يوجب كفره وردته عن الإسلام عند علماء الشريعة الإسلامية )) .
ومن النماذج التي نقلت عنه نموذج مضمونه أن الأحكام المالية في القرآن من الصدقات والتوريث وغيرها مؤقتة وإنما يتدرج بها إلى " نظام الربوبية " وقد انتهت أحكامها .
وهناك نموذج آخر مضمونه أن الرسول والصحابة استنبطوا من القرآن أحكاماً كانت خاصة بهم ، ولكل من جاء بعدهم من أعضاء شورى حكومة مركزية أن يستنبطوا أحكاماً أخرى وليسوا ملزمين بتلك الشريعة السابقة .
ونموذج آخر مضمونه أن المراد من طاعة الله وطاعة الرسول إطاعة مركز نظام الدين الذي ينفذ أحكام القرآن فقط .
ونموذج آخر نصه (( ليس المراد بالجنة والنار أمكنة خاصة ، بل هي كيفيات للإنسان))( ) .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:28 AM
الفصل الثاني
حمل القرآنيون في هذا العصر لواء التشكيك في السنة النبوية، وأجلبوا عليه بخيل شبههم ورجلها لزحزحتها عن مقام الاحتجاج، غير أنهم لم يظفروا بطائل، وكان الأئمة لهم بالمرصاد.
وهذا الفصل معقود لدحض أباطيلهم، والتزمت بأن أصدِّر كلّ مبحث بإحدى شبههم على ما ترجمه خادم إلهي بخش في كتابه "القرآنيون وشبهاتهم" دون تصرف مني بزيادة أو نقص، ثم أكُرُّ عليها بالنقض بما ييسر الله، معتمداً على الكتاب والسنة، مفيداً من أقاويل أهل العلم، منوعاً الأجوبة ببراهين علمية، ومعارضات عقلية، وتأصيلات شرعية، فإليك أولى شبهاتهم مصروعة.
الشبهة الأولى.
يقول برويز: (( لو كانت السنة جزءاً من الدين لوضع لها رسول الله  منهجا كمنهج القرآن من الكتابة والحفظ والمذاكرة ، .. لأن مقام النبوة يقتضي أن يعطي الدين لأمته على شكل محفوظ ، لكنّه احتاط بكلّ الوسائل الممكنة لكتاب الله، ولم يفعل شيئا لسنّته، بل نهى عن كتابتها بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ))( ) ( ).
الرد:
نقول : ما هذا المنهج في القرآن ؟ وإذا لم يكن منصوصا في القرآن – وليس منصوصا قطعا - فمن أين علمتم بوجود هذا المنهج ، وقد رفضتم السنة وجعلتموها مختلقة مفتراة ؟ فكيف تستدلون بسنة مختلقة مفتراة بزعمكم على أهمّ المطالب عندكم وهي ادعاء أن النبي  وضع للقرآن منهجا في كتابته وحفظه ومذاكرته ، ولم يعمل للسنة مثله .
فهذا تناقض أصلع وتضارب أعمى كتب الله على معاندي الحق ومشاغبي الحجج ومناوئي الدين أن يتورطوا في أوحاله .
أما السنة فقد رغب الرسول  الأمة في حفظها فقال: (( نضر الله امرأ سمع منّا شيئاً فبلّغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع ))( ) ، فهذا الحديث فيه أعظم حث على حفظ السنن ، والمذاكرة من وسائل الحفظ وطرقه فليست مخالفة للحفظ، والوسيلة لها حكم المقصد.
وقال الرسول  : (( ليبلغ الشاهد الغائب ))( ) ففيه حض على الحفظ أيضا إذ لا يمكن تبليغ ما لم يحفظ ، إما اللفظ وإما المعنى.
فهذا كاف في حفظ السنة ، مع علم الرسول  بأنها من الذكر الذي تكفل الله بحفظه، وعلمه بحرص الصحابة على الحديث وأن بعضهم أحرص عليه من بعض . سأل أبو هريرة رسول الله من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال : لقد ظننت يا أبا هريرة ألاّ يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث (( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه ))( ) .
والحديث الذي استدلوا به رواه مسلم من طريق همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ : (( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ))( ) .
وهو الحديث الوحيد الصحيح فيما أعلم الناهي عن كتابة الأحاديث النبوية، ووردت أحاديث عديدة صحيحة في الأمر بكتابة الأحاديث النبوية والرخصة فيها.
وقد سلك أهل العلم في دفع ظاهر التعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى مسالك متعددة :
المسلك الأول: مسلك الترجيح لأحاديث الإذن على حديث النهي.
وقد وهَّم الإمام البخاري( ) ، والإمام أبو داود( ) همَّاماً في رفع هذا الحديث وصوَّبا وقفه على أبي سعيد الخدري ، ولا تعارض بين حديث موقوف وأحاديث مرفوعة .
المسلك الثاني : مسلك النسخ ، وهو القول بأن أحاديث الإذن متأخرة عن حديث النهي ناسخة له ، وقد ذهب إلى ذلك ابن شاهين( ) وآخرون .
المسلك الثالث : مسلك الجمع بينهما وفيه طرائق :
قال البيهقي : (( لعله إن شاء الله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان ، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه ، أو نهى عن الكتابة عنه من خاف عليهم الاختلاط وأذن في الكتابة عنه حين أمن منه ))( ) .
وذكر الزركشي وجوها أخرى في الجمع بينهما فقال : (( أحدها : أن النهي عن الكتابة مخصوص بحياة سيد البشر النبي  ؛ لأن النسخ يطرأ في كل وقت فيختلط الناسخ بالمنسوخ ، ويشهد له حديث أبي شاه لما أذن له في كتابة الخطبة التي خطب بها النبي  .. الثاني : أن النهي لئلا يتكل الكاتب على ما يكتب ولا يحفظ فيقل الحفظ .. الثالث : ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به ))( ) .
وهذا الخلاف كان في العصر الأول ، ثم أجمعت الأمة على تسويغ كتابة الحديث والعلم ، واستقر الأمر على ذلك( ) .
وليس في مسلك من هذه المسالك التي سلكها أهل العلم ما يشهد لما ضلت به هذه العصابة وفرقت به الأمة وشذت به عن السواد الأعظم ،
 وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة (هود : 60) .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:29 AM
الشبهة الثانية.
يقول عبد الله جكرالوي مؤسس الفرقة : (( إن الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلا ومشروحا من كل وجه ، فما الداعي إلى الوحي الخفي وما الحاجة إلى السنة ))( ) ؟
ويقول في موضع آخر : (( كتاب الله كامل مفصل لا يحتاج إلى الشرح ولا إلى تفسير محمد  له وتوضيحه إياه أو التعليم العملي بمقتضاه ))( ) .
ويقول الحافظ أسلم في المعنى ذاته ما نصه : (( قد انحصرت ضروريات الدين في اتباع القرآن المفصل ولا تتعداه ))( ) .
الرد:
هذا كفر بالقرآن الذي يزعمون الانتساب إليه لأن الله يقول:
 وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فموضع الرسول  من القرآن موضع البيان له، فمن كذب ذلك فقد كذب نص القرآن . ومفهوم كتاب الله عند أهل العلم والإيمان يختلف عن مفهوم الكتاب عند هذه الفرقة المشبوهة .
حيث يطلق عند أهل العلم والإيمان على معنيين :
روى الشيخان من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد قال ا: كنا عند النبي  فقام رجل فقال : أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه وكان أفقه منه فقال : اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي : قال : قل ، قال : إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وعلى امرأته الرجم فقال النبي  : والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله جل ذكره ، المائة شاة( ) والخادم ردٌّ ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها( ) .
وفي هذا الحديث طلب الخصمان من رسول الله  أن يحكم بينهما بكتاب الله وأجاب رسول الله  إلى ذلك وحلف ليفعلنّ ، والحكم الذي حكم به بينهما هو رد مائة الشاة والخادم وجلد مائة وتغريب عام على الزاني ورجم الزانية ، وليس الرجم ولا التغريب ولاردّ مائة الشاة والخادم منصوصا عليها في القرآن المنزل ، مع أن رسول الله  أطلق على هذا الحكم أنه كتاب الله أي حكم كتاب الله .
قال أهل العلم والإيمان : كتاب الله ينطلق على معنيين :
المعنى الأول : ما حكم الله به وكتب به على عباده سواء أكان منصوصا في القرآن أم في السنة، وإطلاق كتاب الله على القرآن والسنة إطلاق اشتراك( ) فما ثبت بالسنــة يطلق عليه أنه كتــاب الله ، ومن حكـــــم بالسنة
لم يخرج عن كتاب الله حكماً ومفهوما على هذا المعنى .
قال الواحدي : (( وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن ما حكم به النبي  فهو عن كتاب الله )) ، قال الرازي : وهذا حق لأنه تعالى قال:  لتبين للناس ما نزل إليهم  فكل ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام كان داخلاً تحت هذه الآية( ) .
والمعنى الثاني عندهم : أن كتاب الله هو القرآن وحده ولكن يطلق على مدلول السنة بأنه في كتاب الله بواسطة أمر الله لنا بطاعة رسوله واتباع أمره ، و " مَنْ قَبِلَ عن رسول الله  فعن الله قَبِلَ ، لِما افترض الله من طاعته، فيجمع القبولُ لما في كتاب الله وسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله "( ) .
ومن حكم بالسنة لم يخرج عن كتاب الله حكما ومفهوما على هذا المعنى أيضاً .
روى الشيخان واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود قال : (( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت : ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ؟ فقال عبد الله : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ؟ وهو في كتاب الله ، فقالت : لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، قال الله عز وجل :  وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( ) .
فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول عن حكمٍ ثبت بالسنة ولم يُنَصَّ عليه في القرآن أنه في كتاب الله .
وسئل عكرمة عن أمهات الأولاد ؟ فقال : إنهن حرائر ، قيل له بأي شيء تقوله ؟ قال : بالقرآن ، قال : بماذا من القرآن ؟ قال : قول الله  وأولي الأمر منكم ، وكان عمر من أولي الأمر، قال: عتقت وإن كان سِقْطاً ( ) .
بل ذهب الإمام المطلبي ناصر السنة إلى أبعد من ذلك إذ جعل ما ثبت عن عمر رضي الله عنه ثابتا في كتاب الله بنوع استنباط واستدلال بمراتب .
روى البيهقي بسنده عن عبد الله بن محمد بن هارون قال : سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله فقال له رجل : أصلحك الله ما تقول في المحرم قتل زنبوراً ؟ قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى :  وما آتاكم الرسول فخذوه ، حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال : قال رسول الله  : (( اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر )) ، وحدثنا سفيان عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر أنه أمر بقتل زنبور( ) .
قال الواحدي : ((فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات))( ).
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:29 AM
الشبهة الثالثة.
يقولون : إن السنة ليست وحياً من الله ، وإنما لفقت ثم نسبت إلى الرسول  ، ولو صحت فإننا لم نؤمر باتباعها .
يقول عبد الله جكرالوي : (( إنا لم نؤمر إلا باتباع ما أنزله الله بالوحي ، ولو فرضنا جدلاً صحة نسبة بعض الأحاديث بطريق قطعي إلى النبي  ، فإنها مع صحة نسبتها لا تكون واجبة الاتباع ؛ لأنها ليست بوحي منزل من الله عز وجل( ) .
وقال في موضع آخر : (( يعتقد أهل الحديث أن نزول الوحي من الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام قسمان : جلي متلو وخفي غير متلو ، والأول : هو القرآن ، والثاني : هو حديث الرسول عليه الصلاة والسلام .. غير أن الوحي الإلهي هو الذي لا يمكن الإتيان بمثله ، بيد أن وحي الأحاديث قد أتى له مثيل بمئات الألوف من الأحاديث الوضعية ))( ) .
ويرى برويز : (( أنّ هذا التقسيم للوحي معتقد مستعار من اليهود (شبكتب ) المكتوب ، و(شَبْعَلْفَهْ ) المنقول بالرواية وأنه لا صلة به بالإسلام))( ) .
ويقول خواجه أحمد الدين : (( إن الأصل الذي لا يتغير ولا يتبدل هو الوحي الإلهي فحسب ، وهل أُمرنا بالبحث عن الوحي الإلهي في التوراة والإنجيل .. أو البخاري ومسلم أو الترمذي وأبي داود وابن ماجه .. أو مسانيد أئمة آخرين ))( ) .
الرد:
كذب عدو الله جكرالوي في المقام الأول ، وهو زعمه عدم صدور هذه الأحاديث عن النبي .
ومعنى قوله هذا : أنه لم يصدر منه  غير هذا القرآن المتعبد بتلاوته .
وهذا أمر مناقض لِبَدَاْئِهِ العقول ؛ إذ كيف يُتصور أن يكون رسولاً إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً يأمرهم بما يرضي الله ويوصل إلى جناته وينهاهم عما نهى الله عنه ويوصل إلى نيرانه ، ويصبغ حياتهم كلها بصبغة هذا الدين الذي أُمر بتبليغه إليهم ثم لا يصدر منه غير تلاوة القرآن عليهم .
فدعوى جكرالوي مناقضة للعقل الصريح ومنافية للقرآن الذي يتشدقون باتباعه .
قال الله تعالى :  هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة(الجمعة:2).، وقال عز وجل :
 كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة (البقرة : 151). ، وقال سبحانه :  وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة  (النساء :113) . وقال تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به (البقرة :231). ففي هذه الآيات إخبار من الله سبحانه وتعالى أنه أنزل على رسوله و حيين : الكتاب والحكمة ، وقد فسر أهل العلم والإيمان الحكمة بأنها سنة رسول الله  ، ثبت ذلك عن قتادة ، وروي نحوه عن أبي مالك ، ومقاتل بن حيان ، ويحيى بن أبي كثير( ) .
قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : (( فذكر الله الكتاب وهو القرآن ، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول الله  ، وهذا يشبه ما قال ، والله أعلم ؛ لأن القرآن ذُكِرَ وأُتْبِعَتْهُ الحكمةُ ، فَذَكَرَ الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة ، فلم يَجُزْ – والله أعلم – أن يقال هاهنا إلا سنة رسوله  ؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله ))( ) .
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : (( قد تأولت جماعة من أهل التأويل من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ( الحكمة ) في قول الله تعالى ذكره: يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خير كثيرا (البقرة : 269). أنها القرآن ، وتأولت ( الحكمة ) في قوله تعالى : ويعلمهم الكتاب والحكمة ( آل عمران: 164). أنها السنن التي سنها رسول الله بوحي من الله جل ثناؤه إليه ، وكلا التأويلين في موضعه صحيح ؛ وذلك أن القرآن حكمة ، أحكم الله عز ذكره فيه لعباده حلاله وحرامه ، وبين لهم فيه أمره ونهيه ، وفصَّل لهم فيه شرائعه ، فهو كما وصف به ربنا تبارك وتعالى بقوله :  ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة (القمر : 4-5)، وكذلك سنن رسول الله  التي سنها لأمته عن وحي الله جل ثناؤه إليه حكمة حكم بها فيهم ، ففصل بها بين الحق والباطل ، وبين لهم بها مجمل ما في آي القرآن ، وعرَّفهم بها معاني ما في التنزيل ))( ) .
وأكد أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي هذا المعنى الذي سبقه إليه غيره من أهل العلم وزاده وضوحا وإشراقا فكان مما قاله : (( تأولت العلماء أن الحكمة هاهنا هي السنة ؛ لأنه قد ذكر الكتاب ، ثم قال : والحكمة ، ففصل بينهما بالواو ، فدلّ ذلك على أن الحكمة غير الكتاب ، وهي ما سن الرسول  مما لم يُذكر في الكتاب ؛ لأن التأويل إن لم يكن كذلك فيكون كأنه قال: وأنزل عليك الكتاب والكتاب، وهذا يبعد ))( ) .
أما قول برويز : إن تقسيم الوحي إلى جلي متلو وخفي غير متلو مستعار من اليهود ، الأول : المكتوب ، والثاني : المنقول بالرواية ، فيقال له : ضللت في التشبيه بين المسلمين واليهود ؛ إذ يشترط المسلمون للرواية اتصال السند من مبدئه إلى منتهاه بالعدول الضابطين ، وليس ذلك عند اليهود أو عند غيرهم من أمم الكفر والشقاق .
وقد دلّ القرآن على أن هناك وحياً من الله إلى رسوله زيادة على مافي القرآن المتلوّ ، قال الله تعالى :  سيقول السفهاء من الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  فقد كانت القبلة في أول الإسلام إلى بيت المقدس فأين في القرآن النص على وجوب التوجه إلى بيت المقدس؟ لم يثبت هذا الأمر إلا بالسنة ، ثم نسخت بالقرآن .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:30 AM
الشبهة الرابعة.
يقول عبد الله جكرالوي : (( الحض على أقوال الرسل وأفعالهم وتقريراتهم مع وجود كتاب الله علة قديمة قدم الزمن ، وقد برأ الله رسله وأنبياءه من هذه الأحاديث ، بل جعل تلك الأحاديث كفراً وشركاً ))( ) .
ويقول الخواجه أحمد الدين في تفصيل هذه الشبهة ما نصه : (( وقد وضع الناس لإحياء الشرك طرقاً متعددة ، فقالوا : إنا نؤمن أن الله هو الأصل المطاع ، غير أن الله أمرنا باتباع رسوله ، فهو اتباع مضاف إلى الأصل المطاع، وبناء على هذا الدليل الفاسد يصححون جميع أنواع الشرك ، فهل يصبح الأجنبي زوجا لمتزوجة بقول زوجها إنها زوجته ، ألا وإن الله لم يأمر بمثل ذلك  إن الحكم إلاّ للّه (يوسف :40) . ( ) .
يقال لعبد الله جكرالوي : أوجدنا أين برّأ الله رسله من هذه الأحاديث؟ وأين جعلها كفراً وشركاً ؟ وكيف يبرأ الإنسان من أقواله وأفعاله وتقريراته؟ ونحن لا نفرق بين الله ورسله ، بل نؤمن بالله ورسله ولا نفرق بين أحد منهم .
وأقوالهم هذه التي تفوهوا بها محض مشاقة لله ومعاندة سافرة للوحي المنزل، لأن الله دعا في كتابه إلى الإئتساء بالرسول  فقال:  لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (الأحزاب :21).، وقال سبحانه:  وإن تطيعوه تهتدوا (النور : 54).، فهل يقول من يصدق بهاتين الآيتين: إن اتباع الرسول  شرك.
ويظهر من أقوال الخواجه أحمد الدين أنه يرى أن الأدلة الدالة على طاعة الرسول  أدلة فاسدة ؛ لأن وصف الدليل بالفساد يرجع إلى ذاته ، ولو أراد فَهْمَ الناس للدليل لقال : إن استدلالهم فاسد ، فالله يأمر باتباع الرسول  وهم يأبون ذلك ويَعُدُّونه شركاً .
وما الكفر والشرك إلا في الطاعة التي يُتَدَيَّنُ بها ولم يُنْزِل الله بها من سلطان ، أما وصف ما أنزل الله به سلطاناً بالكفر والشرك فهو خروج عن ربقة الإسلام ، ووقوع في مهاوي الضلال ، فما أجرأهم على الله وأوسع حلم الله عليهم !!
والمثال الذي ضربه الخواجه أحمد الدين بالغ القبح والشناعة ، وينبئ عن فجور قلبه وسوء أدبه ، حيث يشبه الرسول  بالأجنبي الذي يطمع في زوجة غيره ، ويمثل الله سبحانه بما لا أعيد حكايته ، وإن كان ناقل الكفر للرد عليه ليس بكافر ، ثم إن الزوج لا يملك من زوجته شرعاً أن يبيحها من يشاء ، أما الله سبحانه فهو فعال لما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ، وقد حكم بأن الرسول يطاع بإذن الله.
أما قوله " إن الله لم يأمر بمثل ذلك إن الحكم إلاّ للّه" فنقول : قد أمر اللّه باتّباع الرسول وقد مرّ آنفاً آيتان كريمتان فى ذلك ، ولا ريب أنّ الحكم للّه وقد حكم اللّه باتّباع رسوله وطاعته ، فقال سبحانه :  يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر (النّساء : 59) . وقال سبحانه :  وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبينا (الآحزاب : 36 ). وقال تعالى: من يطع الرّسول فقد أطاع اللّه (النّساء:80) . وقال سبحانه:  وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن اللّه (النّساء : 64). فظهر من هذه الآيات أنّ القوم إنّما فيهم كيد الإسلام وكراهته، وجعله شيئاً آخر يوافق أهواءهم العليلة ،
كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ.
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:30 AM
الشبهة الخامسة
يقولون: إن نسبة السنة إلى النبي  ليست يقينية ؛ لأنها :
أولاً : تأخر تدوينها ولا يوثق بناقليها .
وثانياً : رويت بالمعنى ، مع عدم كفالة الله بحفظها كالقرآن ، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة .
أما الشق الأول : فيقول عبد الله جكرالوي : (( لم تدون السنة أيام حياته عليه الصلاة والسلام ، وتناقلت( ) سماعاً إلى القرن الثالث الهجري ، وإذا كان سامعونا لا يستطيعون ذكر ما تحدثنا عنه في خطبة الجمعة الماضية فكيف بسماع مائة سنة وصحة بيانه ))( ) .
وأكد حشمت علي هذا المعنى فقال : (( إن الصحاح( ) الستة التي يُفْتَخَرُ بها والتي يقال بحاجة القرآن إليها ، كل تلك الكتب جُمعت ودونت في القرن الثالث حسب إقرار المحدثين ))( ) .
ويضيف عبد الله جكرالوي قائلاً : (( بالإضافة إلى هذا التأخر في تدوين السنة كان المجتمع المدني يضم كثيراً من المنافقين في صفوفه ، وقد استحالت معرفتهم على النبي  فخاطبه ربه بقوله : ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين (التوبة : 101) ، فهذه الآية وشبيهاتها تنفي معرفة الرسول بهم ، وأي شخص أكثر معرفة منه عليه الصلاة والسلام بهؤلاء ))( ).
ووسع من هذا المفهوم في موضع آخر فقال : (( ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقاً وكذباً ؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور ))( ) .
ويقول الحافظ أسلم: (( قد كان للعواطف البشرية يد في تصحيح السنة وتضعيفها ، وإنا لنرى توثيق الرواة لم ينحصر في الصدق فحسب ، بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيخ والمشاركة الفكرية والعواطف والميول الوجدانية ))( ) .
الرد على الفرية الأولى : وهي تأخر تدوين الحديث :
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يُعْنَوْنَ بتدوين أحاديث رسول الله  في حياته وبعد مماته بإذن منه  .
روى البخاري بسنده عن همام بن منبه قال : سمعت أبا هريرة يقول : (( ما من أصحاب النبي  أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من حديث عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب )) ( ) .
وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله  مكة … فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن – فقال : اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله  : (( اكتبوا لأبي شاه ))( ) .
وأخرج البخاري بسنده عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا، إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر ))( ) .
وروى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك من حديث أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق ، قال : فأخرج منه كتاباً ، قال : فقال عبد الله : بينا نحن حول رسول الله  نكتب إذ سئل رسول الله  أي المدينتين تفتح أولاً :قسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله  : (( مدينة هرقل تفتح أولاً يعني قسطنطينية )) ( ) .
ففي هذه الأحاديث وغيرها كثير دليل صريح على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتبون الأحاديث النبوية ، وقد كانت لبعضهم صحائف مثل صحيفة عبد الله بن عمرو وصحيفة جابر بن عبد الله .
هذا وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كانوا يكتبون أو كانت لهم صحف فبلغ عددهم اثنين وخمسين صحابيا( ) .
هذا جيل الصحابة فإذا جئنا إلى جيل التابعين نجد أن الكتابة انتشرت أكثر من جيل الصحابة فقد أوصل محمد مصطفى الأعظمي التابعين الذين كانت لهم صحائف ورسائل إلى أكثر من اثنين وخمسين ومائة تابعي( ) .
ولعل مرد ذلك إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقد روى أبو نعيم أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الآفاق : (( انظروا حديث رسول الله  فاجمعوه ))( ) .
وأصدر أمره إلى أبي بكر بن حزم أن (( انظر ما كان من حديث رسول الله  فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ))( ) .
وأما جيل تابعي التابعين فقد أخذت كتابة الأحاديث النبوية منحى آخر إذ أضيف إليها آثار الصحابة والتابعين وصُنفت على حسب الكتب والأبواب الفقهية .
وما من حاضرة من حواضر العالم الإسلامي إلا وقام علماؤها بتدوين هذه الكتب وتصنيفها ، وكانت هذه الكتب مادة أساسية للكتب الستة .
قال الحافظ ابن حجر : (( ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار ، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح ، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما ، وكانوا يصنفون كل باب على حدة ، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام ، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم ، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام ، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة ، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي  خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسنداً ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسنداً، وصنف أسد بن موسى الأموي مسنداً ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسنداً ، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم ، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد ، كالإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء ، ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معاً ، كأبي بكر بن أبي شيبة ))( ) .
فسقط بذلك قول جكرالوي وبطلت دعواه أن تدوين الحديث تأخر إلى القرن الثالث .
أما قول حشمت علي : إن الصحاح الستة تأخر تدوينها إلى القرن الثالث فنقول : نعم ، دونت في القرن الثالث فكان ماذا ؟ .
لقد تبين آنفاً أن أصولها كانت مدونة مكتوبة( )، ويظهر من مجموع كلام الرجلين أنهما ضلا في مفهوم السنة وأنهما يظنان أن السنة هي الكتب الستة .
أما تشبث جكرالوي بقوله تعالى :  ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين( التوبة : 101) .
فالجواب عنه في ثلاثة مقامات :
المقام الأول : عدم معرفة الرسول  بأعيان بعض المنافقين لا يقتضي الشك في أحاديث الرسول  ؛ لأن المنافقين كانوا معروفين بصفاتهم فكان الصحابة يأخذون حذرهم منهم ، ففي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك لما صلى له النبي  في بيته فاجتمع إليه نفر من أهل الحي فقال قائل منهم : أين مالك الدخشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي  : لا تقل له ذلك، ألا تراه قد قال : لا إله إلا الله ، يريد بذلك وجه الله ؟ قال : قالوا : الله ورسوله أعلم ، أما نحن فو الله لا نرى ودّه وحديثه إلا إلى المنافقين فقال رسول الله  : (( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ))( ) .
فظهر من هذا الحديث أن الصحابة كانوا في غاية الصرامة في شأن المنافقين بحيث اتهموا من جالسهم وخالطهم وإن لم يبلغ به الأمر إلى الكفر الباطني كما شهد بذلك الرسول  لمالك بن الدخشن( ) ، أفتراهم يأخذون الأحاديث من المنافقين بعد ذلك ؟ أو ترى المنافقين يجرؤون على اختلاق الأحاديث وبثها في الناس مع أنهم معزولون عن المجتمع المؤمن ومنبوذون فيهم؟
وليس عند جكرالوي شبهة دليل على أن المنافقين كانوا يتصدون لبث الأحاديث المختلقة وروايتها في حياة رسول الله  وبعد مماته.
المقام الثاني : أن في الآية التي استدل بها ما يرد دعواه إذ أوعدهم الله عذابين في الدنيا قبل العذاب الشديد في الآخرة .
قال بعض المفسرين : أحد العذابين هو فضيحتهم بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله  .
روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قول الله :  وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين (التوبة :101) . قال : قام رسول الله  خطيباً يوم الجمعة فقال : اخرج يا فلان فإنك منافق ، فأخرج من المسجد ناسا منهم ففضحهم ))( ) .
المقام الثالث : الاعتماد على الثقة في نقل الأخبار ضرورة دينية ودنيوية وأن وجود بعض الكذبة في المجتمع لا يسد عليهم باب نقل الأخبار وتلقيها من الثقات .
قال الله تعالى :  يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (الحجرات :6) . ، ففي هذه الآية لم يأمر الله برد خبر الفاسق وتكذيبه جملة وإنما أمر بالتبين فدل ذلك على أنه يقبل خبر العدل ولا يُتبين فيه .
وإذا رُد خبر الفاسق والعدل جملة على السواء لوجود بعض الكذبة ومن لا يوثق بخبره في المجتمع بطلت الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة ، وتعطلت حقوق الناس واختلت حياتهم واضطربت معيشتهم ، وهذا فاسد ضرورة ، وما أدى إليه – أعني فهمهم لآية سورة التوبة – فهو مثله .
أما ما ذهب إليه جكرالوي من أنه : (( ليس في وسع المرء أن يطلع على حقيقة رواة الحديث صدقا أو كذبا ؛ لأنهما من الأمور الباطنية التي لا يطلع عليها إلا العليم بذات الصدور )) وحاصله أنه أغلق باب معرفة عدالة النقلة وصدقهم من كذبهم .
فأقول : إن الله تعالى رد عليه فريته وأفسد عليه مزاعمه إذ قال :
 وأشهدوا ذوي عدل منكم  (الطلاق:2) . ، وقال :  واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء  (البقرة:282) .
وقال :  يحكم به ذوا عدل منكم  (المائدة : 95) .
ففي هذه الآيات أناط الله الشهادة والحكم بالشاهدين العدلين فدل ذلك على أن مناط العدالة( ) يمكن الوقوف عليه والحكم بمقتضاه، فلو لم يمكن معرفة مناط العدالة لكان الله أمرنا بالمحالات والممتنعات، وهذا فاسد وما أدى إليه فهو فاسد مثله .
وأما قول الحافظ أسلم إنه كان للعواطف البشريّة يد فى تصحيح السنّة وتضعيفها، ولم ينحصر التوثيق في الصدق بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيّخ والمشاركة الفكرية .
فالجواب أن يقال : إنّ العدالة التى تشترط لراواي الحديث تشترط أيضا للمتصدّي للجرح والتعديل، فإذا كان يوثّق ويضعّف حسب الأهواء والميول فإنّه يسقط فى ميزان المحدّثين ولا يحابون بهذا أحداً ، فقد وُجد منهم الطعن فى آبائهم وأبنائهم لأجل الاحتياط للرّواية ، أفتراهم بعد ذلك يعدّلون من انتمى إلى مذهبهم وشاركهم فكريّاً إن كان لا يستحقُّ ذلك ؟ . سُئل علي بن المديني عن أبيه فقال : اسألوا غيري ، فقالوا : سألناك ، فأطرق ثمّ رفع رأسه وقال : (( هذا هو الدّين أبي ضعيف))( ) ورُوي عن أبي داود صاحب السنن أنه كذّب ابنه عبد الله( ) وإ ن كان لهذه الكلمة تأويلٌ مقبول، إلاّ أنّ المقصود هنا إثبات أنّهم كانوا لا يحابون أباً ولا ابناً إذا تعلّق الأمر بالدّين .
الشق الثاني من شبهتهم : وهو كون السنة ليست يقينية بسبب روايتها بالمعنى مع عدم كفالة الله بحفظها ، وكثرة ما غزاها من الأحاديث الموضوعة .
يقول الحافظ أسلم : (( كل الروايات التي نسبت إلى النبي  جاءت بالمعنى ولم تأت بألفاظه عليه الصلاة والسلام … والمعروف أن تغيير اللفظ موجب لتغيير المعنى ولو يسيرا ))( ) .
ويقول برويز: ((اعلم أن الله عز وجل لم يتكفل بحفظ شيء سوى القرآن، فلذا لم يجمع الله الأحاديث كما أنه لم يأمر بجمعها ولا تكفل بحفظها)) ( ).
ويقول عبدالله جكرالوي : " بعد وفاة الرسول  بمئآت السنين نحت بعض النّاس هذه الهزليات من عند أنفسهم ثم نسبوها إلى محمّدٍ  وهو منها براء "( ).
الرد :
إن النبي  حث أمته على أن ينقلوا عنه سنته ويُعْنَوْا بها ويبلِّغوها كما سمعوها منه فقال : (( نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع )) ( ).
ولا شك أن أداء لفظ الحديث كما سمع هو الأولى والأجدر الذي يتحقق به دعاء النبي  لسامعه إلا أن المعنى هو المقصود الأول من الأحاديث واللفظ وسيلة ، فإذا روى الراوي الحديث وأصاب المعنى قبل منه ذلك .
وقد وضع أهل العلم لرواية الحديث بالمعنى ضوابط تكفل صونه من تغيير المعنى .
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : (( قال جمهور الفقهاء : يجوز للعالم بمواقع الخطاب ومعاني الألفاظ رواية الحديث على المعنى ، وليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز للجاهل بمعنى الكلام وموقع الخطاب ، والمحتمل منه وغير المحتمل .. فأما الدليل على أنه ليس للجاهل بمواقع الخطاب، وبالمتفق معناه والمختلف من الألفاظ فهو أنه لا يؤمن عليه إبدال اللفظ بخلافه بل هو الغالب من أمره .
وأما الدليل على جواز ذلك للعالم بمعناه ..[ فهو ]( ) اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي  وللسامع بقوله أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية ، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين .. وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه ، دون إيراد نفس لفظه وصورته .
وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بأحكامه .
ويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله  وتغيير معنى اللفظ ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبرا بالمعنى المقصود من اللفظ ، وصادقا على الرسول  ))( ) .
قال المعلمي : (( ولو قلت لابنك : اذهب فقل للكاتب : أبي يدعوك ، فذهب وقال له : والدي – أو الوالد – يدعوك ، أو يطلب مجيئك إليه ، أو أمرني أن أدعوك له ، لكان مطيعا صادقاً ، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه قد عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك ، وقد قص الله عز وجل في القرآن كثيرا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم ؛ لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز ، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي ، ومنه ما يأتي في موضع بألفاظ وفي آخر بغيرها ، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى ، ويطول في موضع ويختصر في آخر ، فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي  بيان شدة الكذب عليه ، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب .
واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية ، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي  وهي كثيرة ، ومنها ما أصله قولي ، ولكن الصحابي لا يذكر القول ، بل يقول : أمرنا النبي  بكذا ، أو نهانا عن كذا ، أو قضى بكذا ، أو أذن في كذا ، وأشباه هذا وهذا كثير أيضا .
وهذان الضربان ليسا محل نزاع ، والكلام فيما يقول الصحابي فيه : قال رسول الله  كيت وكيت ، أو نحو ذلك .
ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذ حكوا قوله  يهملون ألفاظه البتة ، لكن منهم من يحاول أن يؤديها فيقع له تقديم وتأخير ، أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك .
ومع هذا فقد عرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ ، وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك ، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما أتاهم .
فعلى هذا ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك ؛ لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم ، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم ))( ) .
أما قول برويز إن الله لم يتكفل بحفظ السنة فنقول : إن الله تكفل بحفظ الذكر ، وهو يشمل القرآن والسنة لأنها بيان له لا تنفك عنه ، ومظاهر حفظ الله للسنة النبوية بادية أمامنا ، إذ لم تخل العصور الإسلامية من حفاظ الحديث الذين شمّروا عن ساعد الجدّ لحفظه في صدورهم وتتبعه من أفواه الرجال وقطع المفاوز والفيافي للقاء من سبقهم من الحفاظ ، واشتد حرص كثير منهم في كتابة ما سمعوه فاجتمع لهم الضبطان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، ثم كانوا إذا أرادوا أن يرووا عن رجل سألوا عنه وفحصوا حاله حتى كان يقال لبعضهم: أتريدون أن تزوجّوه، كل ذلك احتياطاً للسنة، ونشأ عن ذلك علمٌ قائم بنفسه هو علم الرجال، بحيث لا يخفى على المعنيّ بأمر الحديث حال الرواة جرحاً وتعديلاً، وهو علمٌ لا يوجد عند الأمم غير الإسلامية، فمن عرف اجتهاد المحدثين ونصحهم للأمة علم مدى عناية الله سبحانه بحفظ السنة النبوية .
أما إلغاء حجية السنة بسبب وجود أحاديث موضوعة فسيأتي في الجواب عن الشبهة الثامنة الكلام عن وجود الغش في النفائس عموماً ، وأن هذا لم يصدَّ الناس عن أخذ الصحيح وترك المغشوش ، هذا في الأمور الدنيوية فكيف يتركهم الله عُمياً فاقدي البصائر فيما يتعلق بدينهم؟ هذا بعيد عن حكمة الله .
ثم إن العلماء وضعوا لمعرفة الحديث الموضوع ضوابط تعين على إدراكه ليُعرف فيحذرَ ، منها :
1. اشتمال الحديث على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله  كحديث
(( من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبياً )) قال ابن قيم الجوزية : ((وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط ثواب نبي واحد ))( ) .
2. تكذيب الحس له .
3. سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث (( لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ، ما أكله جائع إلا أشبعه )) .
4. مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة المتواترة مناقضة بينة ، فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عبث أو مدح باطل أو ذم حق ، أو نحو ذلك فرسول الله  منه بريء .
5. أن يُدّعى على النبي  أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم الرافضة أن النبي  أخذ بيد علي بن أبي طالب بمحضر من الصحابة كلهم ، وهم راجعون من حجة الوداع ، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال : (( هذا وصيّي وأخي والخليفة من بعدي )) ( ) .
6. أن يكون الحديث باطلاً في نفسه كحديث (( المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش ))( ) .
7. أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء ، فضلاً عن كلام رسول الله  الذي هو وحي يوحى كحديث (( النظر إلى الوجه الجميل عبادة ))( ) .
8. ومنها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله : (( إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت ، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت )) .
9. أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق .
10. أن يكون الحديث مما تقوم به الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج بن عنق الطويل ففي حديثه أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين وثلثاً ، مع أنه صحّ عن النبي  أن طول آدم ستون ذراعاً ، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ))( ) ( ) .
11. مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة ، قال ابن قيم الجوزية : (( وهذا من أبين الكذب ، لأنه لو كان صحيحاً لكان كل أحد عالماً أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة . قال تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله (الأعراف:187) ( ).
12. أن تكون ألفاظ الحديث أو معانيه ركيكة يمجها السمع ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن كحديث (( إن لله ملكاً من حجارة يقال له : عمارة ينـزل على حمار من حجارة كل يوم فيسعر الأسعار ثم يعرج ))( ) .
13. ما يقترن بالحديث من القرائن التي يُعلم بها أنه باطل مثل حديث وضع الجزية عن أهل خيبر ، قال ابن قيم الجوزية ، (( وهذا كذب من عدة وجوه : أحدها أن فيه شهادة سعد بن معاذ ، وسعد قد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق . ثانيها : أن فيه (( وكتب معاوية بن أبي سفيان )) هكذا ، ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح ، وكان من الطلقاء )) إلى آخر الوجوه التي أوصلها إلى عشرة( ) .
ولم يكتفوا ببيان تلك الضوابط ، بل أفردوا الموضوعات بكتب نُشر أكثرها ، من أعظمها " الموضوعات " لابن الجوزي واشتمل على نحو خمسين كتاباً على ترتيب الكتب المصنفة في الفقه .
كما أن كتب العلل تذكر كثيراً من الحديث الموضوع ، فهي السباقة لتنبيه الناس إلى الأحاديث الموضوعة ، ولم يقتصروا على ذلك بل ألّفوا كتباً لبيان الضعفاء والمتروكين والوضاعين وأحاديثهم كالضعفاء للعقيلي والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي وكتاباهما جامعان لما سبقهما من الكتب المؤلفة في الضعفاء كالضعفاء لعلي بن المديني والضعفاء للبخاري والشجرة في أحوال الرجال للجوزجاني والضعفاء والمتروكين للنسائي .
فكيف يحاول رجال بعد ذلك نزع الثقة بالسنة لوجود الأحاديث الموضوعة التي ميّزها أهل العلم وأُمن اختلاطها بالصحيح؟ فما مَثَلُهم في محاولتهم تلك إلا كمثل متطبب جاهل عُرِض عليه مريض مصاب بخراج في إحدى أصابع يده ويكفيه إزالة هذه الأصبع وحدها فقال ذلك الجاهل : لا علاج له إلا بتر اليد من أصلها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( الواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب ، فإن السنة هي الحق دون الباطل ، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام ))( ) .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:30 AM
الشبهة السادسة.
زعمهم أن التمسك بالسنة يفرق الأمة وأنها لو انسلخت منها
لاتحدت .
يقول جكرالوي: (( لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين ، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم مكتب فكر موحد ، ما بقوا متمسكين بروايات زيد وعمرو ))( ) .
ويؤكد المعنى نفسه حشمت علي فيقول : (( لن تتحقق وحدة المسلمين ما لم يتركوا كتبهم الموضوعة في طاعة الرسول  ، ولن يروا سبيل الرقي والتقدم ما لم يمح عنهم التشتت والفرقة ))( ) .
ويقول برويز : (( قد فاق تقديس هذه الكتب ( كتب السنة ) كل التصورات البشرية ، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية استهدفت النيل من الإسلام وأهله ))( ) .
ويعلل ذلك فيقول : (( فما أصحاب الصحاح الستة إلا جزء من تلك المؤامرة، لذا نجدهم إيرانيين جميعا ، لا وجود لساكن الجزيرة بينهم ، والشيء المحير للعقول أن العرب لم يسهموا في هذا العمل البناء ، بل أسندوا جمع الأحاديث وتدوينها إلى العجم حتى تم بناء هذا الصرح المؤامر ))( ) .
الرد:
أثبت الواقع أن المسلمين لما كانوا متمسكين بالسنة كانوا أكثر ترابطاً وانسجاماً وقوة وغلبة للأعداء ، وأن الأمر انعكس لما خالف بعضهم السنة ، فقد ذكر الله أن نسيان حظ مما ذكر الناس به يؤجج نار العداوة والبغضاء بينهم، قال تعالى :  فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة (المائدة:14) . ، وقال : ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيه ))( ) ، ثم إنكم انسلختم عن السنة فهل اتحدتّم ؟ بل أنتم مختلفون فيما بينكم شر اختلاف ، فبرويز رد على جكرالوي ، وأصبحتم أربع فرق ولم تتفقوا فيما بينكم على عدد ركعات الصلوات فضلا عن بقية الشعائر التعبدية ، وسائر المعاملات .
أما (( أسباب التفرق والاختلاف الواجب تركها باتفاقهم ( ) [ف] هي الجهل والهوى والتعصب ، وكذلك الخطأ بقدر الوسع . فأما أن يترك أحدهم ما يراه حقا فلا قائل به ، بل هو محظور باتفاقهم ))( ) .
وأما قول برويز : إنها مؤامرة أعجمية إيرانية : فالجواب : أن أصول هذه الكتب الستة ألفها علماء الحجاز والعراق واليمن ، مثل موطأ مالك بن أنس ، وموطأ عبد الله بن وهب تلميذ الإمام مالك ، وموطأ ابن أبي ذئب ، وسنن الشافعي ، ومسند الحميدي القرشي ، وجامع سفيان بن عيينة شيخ مكة ، ومسند ابن أبي عمر العدني المكي ، وسنن ابن جريج المكي ، ومصنف عبد الرزاق الصنعاني ، وجامع معمر بن راشد الصنعاني ، ومصنف وكيع بن الجراح الكوفي ، وحماد بن سلمة البصري ، ومسند أبي داود الطيالسي البصري ، ومسند ابن أبي عاصم البصري الكوفي ، ومسند ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي ، ومصنف أبي الربيع سليمان بن داود العتكي البصري ، ومسند أحمد بن حنبل أكبر مسند في الدنيا وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه( ) ، ومسند عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي ، ومسند يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي ، ومسند مسدد بن مسرهد البصري ، ومسند أبي جعفر محمد بن عبد الله الكوفي ، ومسند أحمد بن منيع البغدادي ، ومسند عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي( ) .
فهذه أربعة أضعاف الكتب الستة ألفها علماء الجزيرة ، وكلهم في طبقة مشايخ أصحاب الكتب الستة أو مشايخ مشايخهم ، أو مشايخ مشايخ مشايخهم ، وهي أصول هذه الكتب الستة .
ومع ذلك لم يكونوا كلهم إيرانيين كما زعم برويز ، بل بعضهم من أصول عربية بالاتفاق، فمسلم عربي من بني قشير ، والترمذي عربي من بني سليم ، وأبو داود عربي من قبيلة أزد .
مع أن ذمّ جنس من أجناس البشر لم يرد به شرع ولم يدل عليه عقل ، بل مدح رسول الله  أهل فارس ، وخرَّجت بلاد فارس علماء نوابغ في كل العلوم : تفسيراً ، وحديثاً ، وفقهاً ، ولغة ، وإنما غلب عليها الرفض أيام إسماعيل الصفوي أوائل القرن العاشر الهجري .
أما أن الكتب الستة جزء من مؤامرة أعجمية فإن كانت هناك مؤامرة أعجمية فأنتم قد حزتم النصيب الأوفر منها ؛ لأنكم قمتم واستفرغتم وسعكم لنقض أصول الإسلام من أصلها ، فلا مؤامرة أخبث من مؤامرتكم وهم أقرب نسباً إلى العرب منكم ، فلا وجه لتعييركم إياهم بالعجمة .
__________________

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:31 AM
الشبهة السابعة.
تتلخص هذه الشبهة في قولهم : إن الخطاب بالأحاديث كان موجهاً لأمة خاصة وهم العرب في زمن النبي  بما يوافق ظروفهم الخاصة ، فلا تلزمنا طاعته إذ كانت مقيدة بزمنه ، وزالت بوفاته  .
يقول الخواجه : (( اعلم أن طاعة الرسول  كانت طاعة مقيدة بزمنه، وامتثال أحكامه ، لا تتجاوز حياته ، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته عليه الصلاة والسلام ))( ) .
ويشرح حشمت علي هذه الشبهة فيقول : (( لقد كانت إرشاداته  تصدر وفق ظروف أصحابه ، ولو كنا في تلك الآونة لوجب علينا اتباع أقواله وإرشاداته عليه الصلاة والسلام .. وكما أن خطاب القرآن عام عندنا غير أن المخاطبين بالأحاديث أمة خاصة وهم العرب ))( ) .
الرد:
ما أشبه قولة القرآنيين بمقالة بعض أهل الكتاب الذين قالوا : إن محمدا رسول الله لكن إلى العرب خاصة .
فنقول للقرآنيين : هل الأحاديث لازمة للعرب إلى يوم القيامة بمعنى أنهم إذا بلَّغ بعضهم بعضا كانت الحجة عليهم قائمة بذلك ، فإن كنتم تقولون بذلك فما الفرق بين العرب والعجم ؟ لأن رسالة الرسول  عامة للخلق كلهم إلى يوم القيامة ، قال تعالى :  قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا  (الأعراف:158). ، وقال تعالى :  وأرسلناك للناس رسولا (النساء: 79)، وقال سبحانه :  وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً (سبأ:28)، وقال تعالى:  يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك(المائدة: 67)، حذف المفعول الثاني إرادة عموم المبلَّغين .
وقال سبحانه :  وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ (الأنعام:19) أي من بلغه القرآن ومن لم يكن في زمن الرسول  .
وقال الرسول  في وصيته يوم الحج الأكبر : ( ليبلغ الشاهد
الغائب )( ) ، فإن كانت الحجة لا تقوم بالسنة، لما أمرهم النبي  بتبليغ الغائب الصادق على من هو في هذه الأعصر المتأخرة .
فأتمر الصحابة أمر النبي  ، فبلغوا القرآن والحديث على أنهما الدين الذي جاء به محمد  .
بل كان الصحابة يتطلبون سنة رسول الله  بعد وفاته ، فإذا بلغهم الحديث عن صحابي آخر عن النبي  لم يترددوا في قبوله ، وهذه كانت عادة الخلفاء الراشدين ، فأبو بكر كان يحكم بكتاب الله ، فإن لم يجد فبسنة رسول الله  ، فإن لم يجد سأل الصحابة إن كان عند أحد منهم حديث عن رسول الله  في القضية ، فإن وجد ذلك حكم به ، وكذلك عمر ، وعثمان، وعلي ، فإن لم يجدوا سنة عندهم ، أو عند غيرهم من الصحابة اجتهدوا رأيهم .
وكان عمر لا يورّث المرأة من دية زوجها ، ثمّ ورّثها لرواية الضحاك بن سفيان عن النبي  توريثها( ) .
وانظر قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان حيث لم يقل عمر : ما سمعنا من رسول الله  أيام حياته أخذنا به ، وما بلغنا عنه بعد وفاته لا يلزمنا، لأنه يعلم أن ذلك ينافي الإيمان برسالة محمد  .
وانظر إلى ابن عمر إذ تروي له عائشة حديثا عن النبي  بعد وفاته فيأخذ به .
(( فإذا كان حكم الآيات القرآنية لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين ، فكذلك السنة ، إذ لا فرق بين أحكام الكتاب وأحكام السنة لصدورهما من مصدر واحد .. ، ولأن رسالته عامة شاملة للخلق أجمعين ، فيجب ضرورة أن تكون سنته كذلك ، لعدم الخلف بين أحكامها وأحكام القرآن ، ومن ثم لا فرق في تطبيق الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة بين من شاهد التنزيل وعاصره وبين من ولد في عصر الذرة وآمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام تصديقاً بخبر الله ))( ) .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:31 AM
الشبهة الثامنة.
يقول الحافظ أسلم : (( إن الأحاديث انتقدت علمياً ما أفقدها صفة التدين ؛ لأن الأمور الدينية لا يدخلها النقد وآراء الرجال ))( ) إلى أن قال : ((الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلا عن طريق الأحاديث التي أقر المسلمون بصحتها وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين ))( ) .
ويؤكد محب الحق هذا المعنى فيقول : (( يجب نبذ تلك الأحاديث التي توصل الإسلام إلى بوتقة الهدف والاتهام ؛ لأن نبي الإسلام بريء منها ))( ) .
الرد:
لا يخفى أن النفيس من كل شيء يُتَغالى في الحصول عليه، وتبذل الأموال والنفوس لاقتنائه ، فللقيمة العالية للحديث النبوي أراد كل صاحب هوى أن يتقوى به ، وتبارت الطوائف في إيجاد سند لها منه حتى تنفق بضاعتها ويسمع قولها .
لكن هل معنى ذلك أن ما راموه تحقق لهم وأنهم ظفروا بمطلوبهم ؟ كلا، فلقد قيض الله للذود عن حياض السنة رجالا اصطنعهم لنفسه، وأمدهم بروح منه ، وأراد إكرامهم وإعلاء درجاتهم بذلك الجهاد، فنقدوا الزيف والبهرج حتى مازوه ، وبقي المحض النقي فحرزوه واحتازوه .
والذي يقول: لا نقبل الحديث؛ لأنه وجه النقد إلى بعض المنسوب إليه.
نقول له : إنك في تعاملك الدنيوي تقبل أشياء يكثر الغش والتزييف فيها وتعدها ضرورية للحياة ، وأنه يمكن تمييز جيدها من رديئها فلا ترفض رفضا كلياً ، ولم يزل الناس يهتدون إلى الجيد منها بوسائل يسخرها الله لهم ، ولم يتكفل الله بحفظها كما تكفل بحفظ الوحي ، فلا تجعل يا منكر السنة الحديث النبوي أدنى مرتبة من هذه المرغوبات الدنيوية .
و (( لا يكاد يدخل الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ ، والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله عز وجل بعباده في دنياهم ، فما الظن بعنايته بدينهم ؟ لا بد أن تكون أتم وأبلغ))( ) .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين

ثابت الخطوه
05-13-2009, 01:32 AM
فهرس المصادر
- آداب البحث والمناظرة .
لمحمد الأمين الشنقيطي ، مكتبة ابن تيمية بالقاهرة ، دون تاريخ .
- أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم بشبه القارة الهندية .
خادم حسين إلهي بخش ، دار حراء ، مكة المكرمة ، ط1 ، 1408 هـ .
- الأنوار الكاشفة لما في كتاب " أضواء على السنة " من الزلل والتضليل والمجازفة .
لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ، عالم الكتب ، 1403 هـ .
- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية .
لابن بطة العكبري ، دار الراية ، ط 2 ، 1415 هـ .
- الإحكام في أصول الأحكام .
لابن حزم ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط2 ، 1403 هـ .
- إعلام الموقعين عن رب العالمين .
ابن قيم الجوزية ، تعليق : طه عبد الرؤوف سعد ، مكتبة الحاج عبد السلام بن شقرون ، 1388 هـ .
- الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع .
للقاضي عياض ، تحقيق : السيد أحمد صقر – الطبعة الثانية ، دار التراث والمكتبة العتيقة ، 1398 هـ .
- تذكرة الحفاظ للذهبي .
دار إحياء التراث العربي، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن- الهند .
- تفسيير القرآن العظيم .
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق : حكمت بشير ياسين ، مكتبة الدار، المدينة النبوية .
- تكملة معجم المؤلفين .
لمحمد خير رمضان ، دار ابن حزم ، 1418 هـ .
- تهذيب الآثار والسنن .
للطبري ، تحقيق : محمود شاكر ، مطبعة المدني ، القاهرة ، دون تاريخ .
- جامع بيان العلم وفضله .
لأبي عمر يوسف بن عبد البر ، تحقيق : أبي الأشبال الزهيري ، دار ابن الجوزي ، ط4، 1419 هـ .
- جامع البيان عن تأويل القرآن .
محمد بن جرير الطبري ، تحقيق : محمود شاكر ، دار المعارف بمصر ، دون تاريخ .
- دراسات في الحديث النبوي .
محمد مصطفى الأعظمي ، نشر جامعة الرياض ، دون تاريخ .
- ذكر أخبار أصبهان .
لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ، دار الكتاب الإسلامي ، مصورة عن طبعة المستشرق الألماني سفن ديدرنج seven dedering ، دون تاريخ.
- الرسالة .
محمد بن إدريس الشافعي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر ، المكتبة العلمية ، بيروت ، دون تاريخ .
- سلسلة الأحاديث الصحيحة .
محمد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي – الطبعة الرابعة ، 1405 هـ.
- سنن أبي داود .
ضبط وتعليق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر .
- سنن ابن ماجه .
تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الحديث – دون تاريخ .
- سنن الترمذي .
تحقيق : إبراهيم عطوة ، طبعة مصطفى الحلبي – ط 2 ، 1395 هـ .
- السنن الكبرى .
للبيهقي ، دار الفكر ، دون تاريخ .
- السنة .
محمد بن نصر المروزي ، تحقيق : سالم بن أحمد السلفي ، مؤسسة الكتب الثقافية ، ط1 ، 1408 هـ .
- شرح الإلمام لابن دقيق العيد .
- شرح صحيح مسلم
يحيى بن شرف محيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1404هـ.
- الشريعة للآجري .
تحقيق عبد الله الدميجي ، دار الوطن ، الرياض ، ط1 ، 1418 هـ .
- صحيح البخاري .
نسخة فتح الباري . - صحيح الجامع الصغير وزيادته . محمد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي ، ط2 ، 1406 هـ . - فتح الباري شرح صحيح البخاري . أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقيق : عبد العزيز بن باز ، المكتبة السلفية ، دون تاريخ . - القرآنيون وشبهاتهم حول السنة . خادم حسين إلهي بخش ، مكتبة الصدّيق بالطائف ، ط1 ، 1409 هـ . - الكفاية في علم الرواية . للخطيب البغدادي ، دار الكتب الحديثة بالقاهرة ، 1410 هـ . - المجروحون . لمحمد بن حبان البستي (ت 354 هـ)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة. - مجلة الأصالة . عدد ( 23 ) 15 / شعبان / 1420 هـ ، تصدر في الأردن . - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية-جمع عبدالرحمن بن محمد بن قاسم وابنه، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف 1416هـ . - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز .
جمع وإشراف محمد بن سعد الشويعر، رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ط 2، 1416 هـ .
- المدخل إلى السنن الكبرى .
للبيهقي ، تحقيق : محمد ضياء الرحمن الأعظمي ، مكتبة أضواء السلف، ط2، 1420هـ .
- المستدرك . الحاكم النيسابوري ، دار الكتب العلمية ، مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند ، دون تاريخ . - المسند . أحمد بن حنبل ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1415 هـ . - المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه (( كتاب الوضوء )) . محمد عبد الله أبو بكر باجعمان ، رسالة مكتوبة بالحاسب الآلي مقدمة لكلية التربية بالمدينة لإكمال متطلبات الحصول على الماجستير ، 1409 هـ . - المصعد الأحمد إلى مسند أحمد . ابن الجزري ، طبع في مقدمة المسند لأحمد بن حنبل ، تحقيق : أحمد شاكر ، دار المعارف بمصر ، 1377 هـ . - معرفة الصحابة . لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن عبد الله الأصبهاني ، تحقيق : عادل العزازي ، دار الوطن ، ط1 ، 1419 هـ . - مفاتيح الغيب محمد بن عمر الرازي ، دار الفكر ، ط3 ، 1405 هـ . - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة . للسيوطي ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، ط 1 ، 1407هـ . - مقدمة ابن الصلاح . تحقيق : بنت الشاطئ ، دار المعارف – الطبعة الثانية ، 1409 هـ . - المنار المنيف في الصحيح والضعيف . ابن قيم الجوزية ، دار الكتب العلمية ، 1408 هـ . - مناقب الشافعي . للبيهقي، تحقيق: السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث ، القاهرة ، دون تاريخ.
- الموطأ .
مالك بن أنس ، طبع مع شرحه تنوير الحالك ، مصطفى الحلبي ، الطبعة الأخيرة 1370 هـ .
- ناسخ الحديث ومنسوخه .
عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ( ت 385 هـ ) تحقيق سمير الزهيري ، مكتبة المنار ، الأردن ، ط1 ، 1408 هـ .
- النحو الوافي لعباس حسن- دار المعارف بمصر ط5 دون تاريخ.
- النكت على مقدمة ابن الصلاح .
محمد بن بهادر الزركشي. تحقيق: زين العابدين بن محمد، مكتبة أضواء السلف، 1419ه‍.
- هدي الساري مقدمة فتح الباري .
ابن حجر العسقلاني ، المكتبة السلفية ، دون تاريخ .
- الوصية الكبرى .
ضمن مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية ، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالقاهرة ، 1385 هـ .
- الوضع في الحديث .
عمر بن حسن عثمان فلاتة ، مكتبة الغزالي ، دمشق ، 1401 هـ .
__________________

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .


رب توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين